ثمّ بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ١٠٣ وقال موسى يا فرعون إنّي رسول من ربّ العالمين ١٠٤ حقيق على أن لا أقول على اللّه إلّا الحقّ قد جئتكم ببيّنة من ربّكم فأرسل معي بني إسرائيل ١٠٥ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصّادقين ١٠٦ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ١٠٧ ونزع يده فإذا هي بيضاء للنّاظرين ١٠٨ قال الملأ من قوم فرعون إنّ هذا لساحر عليم ١٠٩ يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون ١١٠ قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين ١١١ يأتوك بكلّ ساحر عليم ١١٢ .
قصة موسى عليه الصلاة والسلام
هو موسى بن عمران بكسر العين وأهل الكتاب يضبطون اسم والده بالميم في آخره ( عمرام ) وبفتح أوله، وجميع الأمم القديمة والحديثة تتصرف في نقل الأسماء من لغات غيرها إلى لغتها. ومعنى كلمة " موسى " المنتاش من الماء أي الذي أنقذ منه، وروى أبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال : إنما سمي موسى لأنه ألقي بين ماء وشجر، فالماء بالقبطية " مو " والشجر " سى ". وذلك أن أمه وضعته بعد ولادته في تابوت ( صندوق ) أقفلته إقفالا محكما وألقته في اليم ( بحر النيل ) خوفا من فرعون وحكومته أن يعلموا به فيقتلوه إذ كانوا يذبحون ذكور بني إسرائيل عند ولادتهم ويتركون إناثهم – وقالت لأخته قصيه أي تتبعيه لنعلم أين ينتهي ومن يلتقطه، حتى لا يخفى عليها أمره، فما زالت أخته تراقب التابوت على ضفاف اليم حتى رأت آل فرعون ملك مصر يلتقطونه إلى آخر ما قصه الله تعالى من خبره في سورة القصص.
وقد ذكرت قصته في عدة سور مكية بين مطولة ومختصرة أولها هذه السورة ( الأعراف ) فهي أول السور المكية في ترتيب المصحف التي ذكرت فيها قصته، ومثلها في استقصاء قصته طه والشعراء ويليها سائر الطواسين الثلاثة ( النمل والقصص ) وقد ذكر بعض العبر من قصته في سور أخرى كيونس وهود والمؤمنين، وذكر اسمه في سور كثيرة غيرها بالاختصار ولاسيما المكية وتكرر ذكره في خطاب بني إسرائيل من سورة البقرة المدنية وذكر في غيرها من الطول والمئين والمفصل حتى زاد ذكر اسمه في القرآن على ١٣٠ مرة فلم يذكر فيه نبي ولا ملك كما ذكر اسمه.
وسبب ذلك أن قصته أشبه قصص الرسل عليهم السلام بقصة خاتم الأنبياء محمد صلوا الله وسلامه عليه وعلى آله من حيث إنه أوتي شريعة دينية دنيوية، وكون الله تعالى به أمة عظيمة ذات ملك ومدنية، وسنبين ما فيها وفي غيرها من حكم التكرار واختلاف التعبير في مواضعها إن شاء الله تعالى.
يريد أن يخرجكم من أرضكم أي قد وجه إرادته لسلب ملككم منكم وإخراجكم من أرضكم بسحره بأن يستميل به الشعب المصري فيتبعه فينتزع منكم الملك ويستبد به دونكم، ويلي ذلك إخراج الملك وعظماء رجاله من البلاد لئلا يناوئوه لاستعاذة الملك منه، كما فعل متغلبة الترك في هذه الأيام بعد إسقاط الدولة العثمانية فإنهم أخرجوا جميع أفراد الأسرة السلطانية من البلاد التركية التي بقيت لهم. وفي معنى هذا القول من فرعون ورجال دولته ما حكى الله تعالى عنهم من مراجعتهم لموسى وأخيه في سورة يونس قالوا أجئتنا لتلفتنا عمّا وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض ؟ وما نحن لكما بمؤمنين [ يونس : ٧٨ ].
وما قال الملأ من قوم فرعون هذا القول إلا تبعا لقوله هو الذي حكاه تعالى عنه في سورة الشعراء قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم* يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون [ الأعراف : ١٠٩، ١١٠ ] أي رددوا قوله وصار يلقيه بعضهم إلى بعض كدأب الناس في نقل كلام ملوكهم ورؤساءهم وترديده إظهارا للموافقة عليه، وتعميما لتبليغه. وإنما لم يصرحوا بكلمة " بسحره " كما صرح هو لأنهم كانوا دونه خوفا وانزعاجا، وأقل منه حرصا على الطعن في دعوة موسى، ولكن ذكرها السحرة في تناجيهم مع فرعون وهو أجدر بذكرها فحكاها الله تعالى عنهم بقوله من سورة طه : فتنازعوا أمرهم بينهم وأسرّوا النّجوى * قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى * فأجمعوا كيدكم ثمّ ائتوا صفّا وقد أفلح اليوم من استعلى [ طه : ٦٢- ٦٤ ].
والأمر في قول فرعون لهم وقول بعضهم لبعض فماذا تأمرون ليس هو المقابل للنهي بل هو بمعنى الإدلاء بالرأي في الشورى، قال الزمخشري في الأساس : وتآمر القوم وائتمروا، مثل تشاوروا واشتوروا. ومرني بمعنى أشر عليّ. قال بعض فتاكهم :
ألم تر أني لا أقول لصاحب *** إذا قال مرني : أنت ما شئت فافعل١
| ولكنني أفري له فأريحه | ببزلاء تنجيه من الشك فيصل |
| إني إذا شغلت قوما فروجهم | رحب المسالك نهاض ببزلاء٢ |
٢ البيت من البسيط، وهو بلا نسبة في لسان العرب (بزل)، وديوان الأدب ٢/١٠، ومقاييس اللغة ١/٢٤٥، وأساس البلاغة (بزل)، وفصل المقال ص١٤٧، وتاج العروس (بزل)..
تفسير المنار
رشيد رضا