ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر فيما سلف أنهم طلبوا إليهم تأخير الفصل في أمره حتى يحضر السحرة ليفسدوا عليه أعماله ويبينوا خبئ حيله ـ ذكر هنا أن السحرة جاؤوا وطلبوا المثوبة من فرعون إن هم نفذوا ما طلبه فأجابهم إلى ذلك ففعلوا أفاعيلهم السحرية التي أوقعت الرهب في قلوب المشاهدين.
الإيضاح : قال ألقوا أي قال موسى عليه السلام وهو واثق بشأنه محتقر لهم غير مبال بهم : ألقوا ما أنتم ملقون وهو عليه السلام لم يأمرهم بفعل السحر ابتداء وإنما أمر بأن يتقدموه فيما جاؤوا لأجله ولا بد لهم منه، وأراد بذلك التوسل إلى إظهار بطلان السحر لا إثباته وإلى بناء ثبوت الحق على بطلانه، ولم يكن هناك للإبطال إلا ذلك، وقد صرح به فيما حكاه تعالى عنه : قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ٨١ ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون [ يونس : ٨١ ٨٢ ].
فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم استرهبه : أوقع في قلبه الرهب والخوف، أي فلما ألقوا ما ألقوا من حبالهم وعصيه سحروا أعين النظارة ومنهم موسى عليه السلام كما جاء في سورة طه : فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى [ طه : ٦٦ ] وجاؤوا بسحر عظيم في مظهره كبير في تأثيره في أعين الناس.
قال ابن كثير : أي خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال.
قال ابن عباس رضي الله عنه : إنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
قال ابن إسحاق : إن السحرة كانوا خمسة ألف ساحر. وإن الحيات التي أظهروها بخيال سحرهم كانت كأمثال الجبال قد ملأت الوادي. وقال السدي : إن السحرة كانوا بضعا وثلاثين ألفا اه.
وكل هذا مبالغات إسرائيلية وتهويلات لم يصح شيء منها وليس في التوراة ما يؤيدها.
وقال الجصاص في تفسيره : سحروا أعين الناس ، يعني موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى، كما قال : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى [ طه : ٦٦ ].
فأخبر أن ما ظنوه سعيا منها لم يكن سعيا وإنما كان تخيلا. وقد قيل إنها كانت عصيا مجوفة قد ملئت زئبقا وكذلك الحبال كانت معمولة من جلد محشوة زئبقا. وقيل حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسرابا ملؤوها نارا فلما طرحت عليه وحمى الزئبق حركها لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير اه.
فعلى هذا يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية إذا صح خبرها. ويمكن أن تكون هناك حيلة أخرى كإطلاق أبخرة أثرت في الأعين فجعلتها تبصر ذلك، أو أن الحبال والعصي جعلت على صورة الحيات وحركت بمحركات خفية سريعة لا تدركها أبصار الناظرين.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير