قال لهم نبي الله موسى : تقدموا أنتم أولا وألقوا قبلي. ومفعول ( ألقوا ) محذوف، ألقوا ما أنتم ملقون.
فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن لغالبون ٤٤ [ الشعراء : آية ٤٤ ] فلما قال لهم نبي الله موسى :( ألقوا ) يعني : ألقوا ما أنتم ملقون. يزعم بعض المفسرين أنهم نحو من سبعين مائة ألف عند كل واحد منهم عصا ضخمة، وحبل ضخمة، وأن كل واحد منهم جعل السحر في عصاه وحبله، حتى كانت الدنيا كأنها حيات كالجبال يركب بعضها بعضا، وخاف الخلق جميعا خوفا عظيما. وذكر الله في سورة طه أن موسى داخله بعض الخوف كما يأتي في قوله : فأوجس في نفسه خفية موسى ٦٧ [ طه : آية ٦٧ ] حيث قال : إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ٦٦ فأوجس في نفسه خفية موسى ٦٧ [ طه : الآيات ٦٥-٦٧ ] وهذا الترتيب بالفاء لأن نبي الله موسى أوجس في نفسه الخيفة من عظم سحرهم كما قال هنا : وجاءهم بسحر عظيم [ الأعراف : آية ١١٦ ].
وبعض المفسرين يقولون : لم يخف نبي الله من سحرهم، وإنما خاف أن يتفارق الناس ويهربوا قبل أن يقيم حجته أمامهم. هكذا قاله بعضهم والله أعلم، هذا معنى قوله : قال ألقوا .
وهذه الآية فيها سؤال معروف، وهو أن يقال : إن نبي الله موسى بن عمران ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ) رسول كريم، والرسول لا يأمر بمنكر، وقوله لهؤلاء السحرة : ألقوا أمر بمنكر ؛ لأنه أمرهم بأشد المنكر، وهو الإتيان بالأسحار تعارض بها معجزات الله التي أيد بها رسله ؟
والجواب عن هذا معروف :
وهو أن نبي الله موسى ( صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم ) لا يريد أمرهم بإلقاء الحبال والعصي سحرا خبيثا تعارض به آيات الله، وإنما مراده إبطاله ؛ لأنه في ذلك الوقت لا طريق إلى إبطاله إلا هذا، وهي أن يبرزوه ثم يأتي آية الله ومعجزة الله التي هي هذه العصا فتبتلع جميع ذلك وتترك الميدان خواء ليس فيه شيء، ولما كان هذا هو الطريق الوحيد للحق اضطر إليه ( صلوات الله وسلامه عليه )، وهذا معنى قوله : قال ألقوا .
وفي الكلام حذف دل المقام عليه، أي : ألقوا حبالكم وعصيكم فألقوا، فلما ألقوا حبالهم وعصيهم فلما ألقوا سحروا أعين الناس دل قوله : أعين الناس على أن سحرهم من جنس الشعبذات ؛ لأنهم جاؤوا بسحر أخذ بعيون الناس حتى صارت ترى تخييلات ليست بحقيقة، وترى العصى والحبال تظنها حيات -ثعابين- من أضخم الحيات، بالمئات والآلاف مكدسة كالجبال، يركب بعضها بعضا، حتى خاف الخلق منها خوفا شديدا، فقوله هنا : أعين الناس يدل على أنه تخييل بالنسبة للعين لا حقيقة. وقد صرح بذلك في طه بقوله : فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى [ طه : آية ٦٦ ] وزعم بعض المفسرين أن الزئبق كان متوفرا عندهم، وأنهم ملؤؤا داخل العصي والحبال من الزئبق وطرحوها حتى تأثر الزئبق بحر الشمس فلما تأثر الزئبق تحركت العصي والحبال صار بعضها يلتوي على بعض ويركب بعضها بعضا ! ! هكذا يقول بعضهم. ويظهر أنه سحر أخذوا به عيون الناس حتى صار يتراءى لهم هذا من الحيات العظام الكبار الضخام يركب بعضها بعضا. وهذا معنى قوله : سحروا أعين الناس . واسترهبوهم قد تقرر في فن العربية أن يأتي ( استفعل ) مزيدة بهمزة الوصل والسين والتاء بمعنى ( أفعل ) وهو موجود في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن : فاستجاب لهم ربهم [ آل عمران : آية ١٩٥ ] يعني : أجاب. ومما يدل عليه من كلام العرب قول سعيد بن كعب الغنوي :
| وداع دعا يا من يجيب إلى الندى | فلم يستجبه عند ذاك مجيب |
معنى : واسترهبوهم أرهبوهم. والرهب : الخوف. يعني : خوفوا الناس خوفا شديدا. قال بعض العلماء : استرهبوهم : استدعوا رهبتهم وخوفهم بهذا السحر العظيم.
وفي هذه الآية من سورة الأعراف سؤال معروف : وهو أن يقال : دلت آية الأعراف هذه على أن سحر سحرة فرعون من نوع الشعبذات والأخذ بالعيون حتى يتراءى للإنسان غير الواقع في الحقيقة ؛ لأنه قال : أعين الناس وصرح بما يدل على ذلك في قوله في طه : فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى [ طه : آية ٦٦ ] وهاتان الآيتان –آية طه وآية الأعراف( كلتاهما تدل على أن سحر سحرة فرعون من نوع الخيالات والشعبذات، ومع هذا وصفه الله بالعظم في قوله : بسحر عظيم هذا هو وجه السؤال ؟ ؟
وللعلماء عنه جواب : وهو أنه في الحقيقة تخييل وأخذ بالعيون حتى صار يتراءى لها غير الواقع، وإنما وصفه بالعظم قالوا : لكثرة العصي والحبال وضخامتها. فهذا التخييل وإن كان تخييلا خيل للناس هذا العدد الضخم الكبير من هذه الحيات العظام الكبار كأنها جبال يركب بعضها بعضا، فصار بهذا المنظر الهائل مع التخييل وكثرته كأنه عظيم، وصار في نفس الأمر أخذا بالعيون وتخييلا، وفي هذا يزول الإشكال بين الآيات، وهذا معنى قوله : سحروا أعين الناس واسترهبوهم أي : أخافوهم. والرهب : الخوف. أرهبه : أخافه. والإرهاب : التخويف : واسترهبوهم أرهبوهم، أي : أخافوهم. فجاؤوا بسحر عظيم لكثرة تلك الحبال والعصي وضخامتها وكبرها، وكون بعضها يركب بعضا حتى امتلأ الوادي بالحيات العظام والأفاعي، حتى خاف جميع الناس، وهذا معنى قوله : سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم [ الأعراف : آية ١١٦ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير