ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

بِالْوَادِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ مِمَّا أَلْقَوْا، ثُمَّ أَخَذَهَا مُوسَى فَإِذَا هِيَ عَصًا فِي يَدِهِ كَمَا كَانَتْ، وَوَقَعَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ لَوْ كَانَ هَذَا سَاحِرًا مَا غُلبنا.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّة: أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ، فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ فاغرٌ فَاهُ، يَبْتَلِعُ (١) حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةَ عِنْدَ ذَلِكَ سُجَّدًا، فَمَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ حَتَّى رَأَوُا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَثَوَابَ أَهْلِهِمَا.
قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا تَوَعَّدَ بِهِ فِرْعَوْنُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، السَّحَرَةَ لَمَّا آمَنُوا بِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا أَظْهَرُهُ لِلنَّاسِ مِنْ كَيْدِهِ وَمَكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا أَيْ: إِنَّ غَلَبَه لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّمَا كَانَ عَنْ تَشَاوُرٍ مِنْكُمْ وَرِضَا مِنْكُمْ لِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه: ٧٠] وَهُوَ يَعْلَمُ وَكُلُّ مَنْ لَهُ لُبٌّ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ؛ فَإِنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِمُجَرَّدِ مَا جَاءَ مِنْ "مَدْين" دَعَا فِرْعَوْنَ إِلَى اللَّهِ، وَأَظْهَرَ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةَ وَالْحُجَجَ الْقَاطِعَةَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي مَدَائِنِ مُلْكِهِ وَمُعَامَلَةِ سَلْطَنَتِهِ، فَجَمَعَ سَحَرَةً مُتَفَرِّقِينَ مِنْ سَائِرِ الْأَقَالِيمِ بِبِلَادِ مِصْرَ، مِمَّنِ اخْتَارَ هُوَ وَالْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ، وَأَحْضَرَهُمْ عِنْدَهُ وَوَعَدَهُمْ بِالْعَطَاءِ الْجَزِيلِ. وَقَدْ كَانُوا مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى الظُّهُورِ فِي مَقَامِهِمْ ذَلِكَ وَالتَّقَدُّمِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، وَمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يَعْرِفُ أَحَدًا مِنْهُمْ وَلَا رَآهُ وَلَا اجْتَمَعَ بِهِ، وَفِرْعَوْنُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا تَسَتُّرًا وَتَدْلِيسًا عَلَى رَعَاعِ دَوْلَتِهِ وجَهَلتهم، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزُّخْرُفِ: ٥٤] فَإِنَّ قَوْمًا صَدَّقُوهُ فِي قَوْلِهِ: أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى [النَّازِعَاتِ: ٢٤] مِنْ أجْهَل خَلْقِ اللَّهِ وَأَضَلِّهِمْ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادِهِ الْمَشْهُورِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ قاوا: الْتَقَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأميرُ السَّحَرَةِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَرَأَيْتَكَ إِنْ غَلَبْتُكَ أَتُؤْمِنُ بِي، وَتَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قَالَ السَّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لَا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فوالله لئن غلبتني لأومنن بِكَ وَلَأَشْهَدَنَّ أَنَّكَ حَقٌّ. وَفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، قَالُوا: فَلِهَذَا قَالَ مَا قَالَ.
وَقَوْلُهُ: لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا أَيْ: تَجْتَمِعُوا أَنْتُمْ وَهُوَ، وَتَكُونَ لكم (٢) دولة وصولة، وتخرجوا

(١) في م: "يبلع".
(٢) في ك، م: "لهم".

صفحة رقم 458

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية