ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦ

قوله : وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض هذا الاستفهام منهم للإنكار عليه، أي أتتركه وقومه ليفسدوا في الأرض بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل. والمراد بالأرض هنا : أرض مصر. قوله : وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قرأ نعيم بن ميسرة «ويذرك » بالرفع على تقدير مبتدأ، أي وهو يذرك، أو على العطف على أَتَذَرُ موسى أي أتذره ويذرك. وقرأ الأشهب العقيلي وَيَذَرَك بالجزم، إما على التخفيف بالسكون لثقل الضمة، أو على ما قيل في وَأَكُن مّنَ الصالحين في توجيه الجزم. وقرأ أنس بن مالك «ونذرك » بالنون والرفع، ومعناه : أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم سيذرونه وآلهته. وقرأ الباقون ويذرك بالنصب بأن مقدّرة على أنه جواب الاستفهام، والواو نائبة عن الفاء، أو عطفاً على يفسدوا أي ليفسدوا، وليذرك، لأنهم على الفساد في زعمهم، وهو يؤدّي إلى ترك فرعون وآلهته.
واختلف المفسرون في معنى : وَآلِهَتَكَ لكون فرعون كان يدّعي الربوبية كما في قوله : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِي . وقوله : أَنَاْ رَبُّكُمُ فقيل معنى وآلهتك وطاعتك. وقيل معناه : وعبادتك. ويؤيده قراءة علي، وابن عباس، والضحاك «وإلهتك »، وفي حرف أبي «أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك » وقيل : إنه كان يعبد بقرة، وقيل : كان يعبد النجوم. وقيل : كان له أصنام يعبدها قومه تقرّباً إليه، فنسبت إليه، ولهذا قال أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى . قاله الزجاج. وقيل : كان يعبد الشمس. فقال فرعون مجيباً لهم، ومثبتاً لقلوبهم على الكفر سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ . قرأ نافع وابن كثير «سنقتل » بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، أي سنقتل الأبناء، ونستحيي النساء، أي نتركهنّ في الحياة. ولم يقل سنقتل موسى، لأنه يعلم. أنه لا يقدر عليه وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون أي مستعلون عليهم بالقهر والغلبة، أو هم تحت قهرنا وبين أيدينا. ما شئنا أن نفعله بهم فعلناه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في قوله : إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة إذا التقيتما لتظاهرا فتخرجا منها أهلها لأقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ الآية، قال : فقتلهم وقطعهم كما قال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : كان أوّل من صلب فرعون، وهو أوّل من قطع الأيدي والأرجل من خلاف. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة، في قوله : مّنْ خلاف قال : يداً من ها هنا، ورجلاً من ها هنا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله : أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قال : من قبل إرسال الله إياك ومن بعده. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه، في الآية قال : قالت بنو إسرائيل لموسى كان فرعون يكلفنا اللبن قبل أن تأتينا. فلما جئت كلفنا اللبن مع التبن أيضاً، فقال موسى : أي ربّ أهلك فرعون، حتى متى تبقيه ؟ فأوحى الله إليهم إنهم لم يعملوا الذنب الذي أهلكهم به. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في الآية قال : حزا لعدوّ الله حاز أنه يولد في العام غلام يسلب ملكك، قال : فتتبع أولادهم في ذلك العام بذبح الذكر منهم، ثم ذبحهم أيضاً بعد ما جاءهم موسى.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال : إن بنا أهل البيت يفتح ويختم، ولا بدّ أن تقع دولة لبني هاشم فانظروا فيمن تكون من بني هاشم ؟ وفيهم نزلت : عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وينبغي أن ينظر في صحة هذا عن ابن عباس، فالآية نازلة في بني إسرائيل، لا في بني هاشم، واقعة في هذه القصة الحاكية لما جرى بين موسى وفرعون.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية