قال موسى : ربِّ أغفر لي ما صنعتُ بأخي، ولأخي ؛ إن فرَّط في كفَّهم، وأدخلنا في رحمتك بمزيد الإنعام علينا، وأنت أرحمُ الراحمين فأنت أرحم منا على أنفسنا.
وحاصله : أن المُرادين هم قوم مخصوصون، ملطوف بهم، محمول عنهم، ومنه :
ومَا كُنتَ تَرْجُوَاْ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَّبِكَ [ القَصَص : ٨٦ ] فقد خُص ـ عليه الصلاة والسلام ـ بما لم يخطر على باله قبل النبوة.
قال الهروي : والمراد : ثلاث درجات : الدرجة الأولى : أن يُعصمَ العبد وهو مستشرف للجفا ؛ اضطرارًا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ، وسد مسالك المعاطب عليه، إكرامًا، والدرجة الثانية : أن توضع عن العبد عوارض النقص، ويعافيه من سمة اللائمة، ويملكه عواقب الهفوات، كما فعل لسليمان عليه السلام في قتل الخيل ؛ حمله على الريح الرُخاء، فأغناه عن الخيل، وكما فعل لموسى عليه السلام ؛ حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه لم يعتب عليه كما عتب على آدم ونوح وداود ويونس ـ عليهم السلام ـ. هـ.
قال شارحه الإمام عبد المعطي السكندري : وهذه الدرجة أتم في الحمل على الأعمال وركوب الأهوال، والتلطف في تعليم الإقبال مما قبلها، فإن ما قبلها منعٌ من الشهوات وصيانة عن الآفات ؛ جبرًا وقهرًا وحفظًا، وهذا حفظ عنها ؛ بإظهار صفح برفق وإكرام ولطف، فتقوى المحبة في القلب، فيحمل ذلك على سرعة الموافقة، ومتى عرف العبد تقصيره في حق مولاه، ورأى مع ذلك تجاوزه عنه، وإحسانه إليه، فضلاً عن ترك مؤاخذته بما جناه، انغرس في قلبه محبته، وقوى بذلك نشاطه، وخفت عليه الأعمال، وقويت منه الأحوال، فكلاهما محفوظ مُعَان، إلا أن الأول قهر مع تعلقه، وهذا إكرام ولطف بعد جريان هفوته، ثم ذكر الدرجة الثالثة، فانظره. هـ. بنقل المحشي.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي