المعنى الجملي : بعد أن ذكر ما أحدثه السامري من اتخاذه العجل لبني إسرائيل وعباداتهم له ثم ندمهم على ما فرط منهم في جنب الله وطلبهم الرحمة من ربهم ـ ذكر هنا ما حدث من موسى من الأسى والحزن حين رأى قومه على هذه الحال من الضلال والغي، ومن التعنيف واللوم لهارون على السكوت على قومه حين رآهم في ضلالتهم يعمهون.
الإيضاح : قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين أي قال رب اغفر لي ما فرط مني من قول وفعل فيهما غلظة وجفاء، واغفر له ما عساه يكون قد قصر فيه من مؤاخذة القوم على ما اجترموه من الآثام خوفا مما توقعه من الإيذاء الذي قد يصل إلى القتل، وأدخلنا في رحمتك التي وسعت كل شيء واغمرنا بجودك وفضلك فأنت أرحم بعبادك من كل رحم.
والآية صريحة في براءة هارون من جريمة اتخاذ العجل وفي إنكاره على متخذيه وعابديه من قومه. وبهذا قد صححت ما وقع في التوراة التي بين يدي أهل الكتاب من نسبة اتخاذ العجل إلى هارون وجعله هو الفاعل لذلك كما جاء في الفصل الثاني والثلاثين من سفر الخروج قال :
ولما رأى الشعب أن موسى قد أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا : قم فاصنع لنا آلهة تسير أمامنا، لأن موسى الرجل الذي كان قد أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ما قد أصابه، فقال لهم هارون : انزعوا أقراط الذهب التي كانت في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وائتوني بها فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي كانت في آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلا مسبوكا فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر، فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه ونادى هارون وقال : غدا عيد للرب فبكروا في الغد وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامة، وجلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب، فقال الرب لموسى : اذهب انزل، لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر، زاغوا سريعا عن الطريق الذي أوصيتهم به صنعوا عجلا مسبوكا وسجدوا له وذبحوا له وقالوا : هذه آلهتك يا إسرائيل الذي أصعدتك من أرض مصر ثم قال :
وكان عندما اقترب إلى المحلة أنه أبصر العجل والرقص فحمى غضب موسى وطرح اللوحين من يديه وكسرهما في أسفل الجبل، ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه بالنار وطحنه حتى صار ناعما وذرّاه على وجه الماء وسقى بني إسرائيل وقال موسى لهارون : ماذا صنع بك هذا الشعب حتى جلبت عليه خطية عظيمة فقال هارون : لا يحمم غضب سيدي علي، أنت تعرف الشعب، إنه في شر، فقالوا اصنع لنا آلهة تسير أمامنا... ثم ذكر طلب موسى من الرب أن يغفر لقومه، وأمر الرب إياهم أن يقتل كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه، وكل واحد قريبه، وأن بني لاوي فعلوا ذلك فقتل منهم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل وقد تقدم ذكر ذلك في سورة البقرة.
تفسير المراغي
المراغي