اتل معناه : اقرأ عليهم يا نبي الله. نبأ : أي خبر هذا الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها. وهذا الذي آتاه الله آياته أكثر المفسرين يقولون : إنه رجل من بني إسرائيل. وبعض العلماء يقول : هو رجل من الكنعانيين الجبارين الذين أمر الإسرائيليون بقتالهم.
واعلموا أن قول من قال من العلماء إن معنى : آتيناه آياتنا : آتيناه النبوة. أنه قول باطل لا يشك في بطلانه، كما أوضحه الماوردي وغيره ؛ لأن الأنبياء لا يفعلون هذه الأفعال ولا ينسلخون من آيات الله ؛ لأن الله لم يجعل نبوته إلا في من يعلم أنه أهل لها، كما قدمنا إيضاحه في الأنعام في الكلام على قوله : الله أعلم حيث يجعل رسالاته [ الأنعام : آية ١٢٤ ] على إحدى القراءتين، وهي أخبار إسرائيلية لم يدل شيء على صحة تعيين هذا الذي آتيناه آياتنا وأكثر المفسرين والمؤرخين يقولن : إنه رجل من بني إسرائيل يقال له : بلعام بن باعوراء. وبعضهم يقول : بلعم بن باعر، وفيه غير ذلك.
ومعنى آتيناه آياتنا لا يقتضي النبوة، فكل من أعطي شيئا من كتاب الله بواسطة نبي من الأنبياء فقد أوتي الكتاب، وقد قال تعالى : وما تفرق الذين أوتوا الكتاب [ البينة : آية ٤ ] وهم ليسوا أنبياء، وقال في هذه الأمة : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا [ فاطر : آية ٣٢ ] خذوا ما آتيناكم بقوة [ البقرة : آية ٦٣ ] فإن إيتاء الآيات قد يكون بالأخذ عن الرسل. والمفسرون يقولون : إن هذا الرجل الذي هو بلعام بن باعوراء –قبحه الله- ويقال : بلعم بن باعوراء، أو ابن باعر، أو غير ذلك أنه أعطاه الله الاسم الأعظم، وبعضهم يقول : علمه الله شيئا من كتبه المنزلة، فكان يعلم بعض كتب الله التي أنزلها. وهذا معنى آتيناه آياتنا سواء قلنا : إن الله علمه بعض الكتب المنزلة، أو أنه علمه الاسم الأعظم.
فانسلخ منها –العياذ بالله- انسلخ منها : خرج منها –والعياذ بالله- ولم يعلق به شيء منها.
والمفسرين يقولون : إنه بلعام بن باعوراء، وأنه أغراه الكنعانيون الجبارون بالمال فقالوا له : ادع على نبي الله موسى وقومه –من أن نبي الله موسى الذي يذكر المفسرين أنه مات في التيه، وأن الذي دخل القرية وفتح الله على يديه يوشع بن نون، وهم يزعمون في قصته أنهم أمروه أن يدعو على موسى- فقال : كيف أدعو على من معه الملائكة ؟ ولم يزالوا به يغرونه بالمال حتى دعا على موسى.
وبعض العلماء يقول : إنه دعا على موسى فكان ذلك سبب التيه.
فعلى كل حال يقولون : إنه دعا على نبي الله موسى فلما أراد أن يدعو عليه حول الله دعاءه على القوم الذين يريدونه أن يدعو على موسى، فقالوا : دعوت علينا. فقال : ما أقدر على غير هذا.
وقال بعض العلماء : إنه كان له ثلاث دعوات مجابة أعطاه الله إياها، وأنه كان يعلم الاسم الأعظم فأعطاه الله ثلاث دعوات –وكل هذه إسرائيليات- يزعمون أن هذه الدعوات الثلاث المجابة أنه ضيعها في امرأته كانت من أقبح نساء بني إسرائيل فلم تزل به حتى دعا الله أن يجعلها أجمل امرأة، فدعا الله فصارت أجمل امرأة، فلما بلغت هذا الجمال تكبرت عنه وطلبت غيره، فدعا الله عليها فصارت كلبة نباحة، فآذى ذلك أولادها، ولم يزالوا به حتى دعا الله عليها أن يرجعها إلى حالتها الأولى، فذهبت الدعوات كلها. وهذه إسرائيليات لا معول عليها، يذكرها المفسرون.
وقال بضع العلماء : أغروا امرأته بالمال فلم تزل به حتى دعا على نبي الله موسى، وأنه لما دعا عليه اندلع لسانه فصار على صدره، وصار يلهث كما يلهث الكلب، وأنه قال لهم : إنه –والعياذ بالله خسر الدنيا والآخرة قال لهم- : لم يبق إلا المكر والحيلة ؛ إن الله يبغض الزنا، فأرسلوا النساء متزينات إلى بني إسرائيل فإن زنوا أهلكهم الله. فأرسلوا لهم النساء فيما يزعمون فوقع منهم الزنا، فأرسل الله عليهم الطاعون. وغير هذا من روايات كثيرة إسرائيلية يحكيها المفسرون في تفسير هذه الآية من سورة الأعراف لا طائل تحتها ولا دليل على شيء منها.
وكان بعض العلماء يقول : هذه الآية الكريمة تدل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يقلد غير معصوم ويثق به كل الثقة ؛ لأن هذا الإنسان ذكر الله أنه آتاه آياته وبعد ذلك صار مآله إلى أخس مآل وأقبحه – والعياذ بالله- حيث قال : فانسلخ منها .
وقال بعض العلماء : هذه الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان يقرأ الكتاب الأول، ويتعلم من الكتب الأولى، وكان يعلم عن الله بعض كتبه، وكان يعلم بان جزيرة العرب سيبعث فيها نبي، وكان يرجو أن يكون هو ذلك النبي، فلما بعث الله نبينا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر. وقصة استنشاد النبي أخته الفارعة لشعره مشهورة في التاريخ معروفة، ويذكر المؤرخون أن النبي لما حكت عليه شعره قال : آمن شعره وكفر قلبه. والله تعالى أعلم.
وبعض العلماء يقول : نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب ابن صيفي ( قبحه الله ). وأبو عامر هذا رجل من الأنصار هو : والد حنظلة الغسيل ( رضي الله عنه وأرضاه )، الذي يذكر الأخباريون وأصحاب المغازي أن الملائكة غسلته يوم أحد ؛ لأنه كان قريب عرس بتزوج جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، وأنه كان يغتسل فاستخفه القتال فلم يكمل غسله، فمات شهيدا يوم أحد، وأن الملائكة غسلته. هكذا يقول أصحاب المغازي والأخباريون. فوالده هو أبو عامر هذا الخبيث الذي يقال له : أبو عامر الراهب، وهو الذي حفر الحفر في الميدان يوم احد التي جاء النبي في واحدة منها وانتشله منها علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله، كما هو مذكور في المغازي في غزوة أحد. كان هذا الخبيث أبو عامر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إنه على دين إبراهيم. فبين له النبي – فيما يذكرون- أنه على الحنيفية بعد التغيير. وأنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أمات الكاذب منا وحيدا طريدا. وسافر إلى الشام، وراح إلى بعض الملوك يريد جيشا يخرج به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، وهو الذي أوعز للمنافقين أن يبنوا له مسجد الضرار بقباء ليدبروا الشؤون فيه. وهو المذكور في قوله : وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل [ التوبة : آية ١٥٧ ] هو أبو عامر هذا.
وقول من قال : إن آية الأعراف هذه في أمية بن أبي الصلت أو أبي عامر الراهب كله لا دليل عليه، وأكثر المفسرين يقولون : إنها في رجل علمه الله علم الكتاب من بني إسرائيل. وشذ قوم فقالوا : من الكنعانيين وهذا معنى قوله : واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا .
آياتنا هنا : آيات كتابه الشرعية.
فانسلخ منها : خرج منها والعياذ بالله كما تنسلخ الحية من ثوبها، ولم يعلق به منها شيء.
فأتبعه الشيطان العرب تقول :( أتبعه وتبعه واتبعه ) بمعنى واحد ومعنى :( أتبعه الشيطان ) : اتبعه الشيطان حتى لحق به وأدركه وجعله قرينا له يذهب معه حيث يذهب. هذا معنى قوله : فأتبعه الشيطان .
والشيطان في لغة العرب : هو كل عات متمرد، فكل من كان عاتيا متمردا فهو شيطان في لسان العرب. سواء كان من الجن أو من الإنس، أو من غيرهما. وجاء في القرآن العظيم : إطلاق الشياطين على العتاة المتمردين من الإنس والجن، كما قال جل وعلا : شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بضع زخرف القول غرورا [ الأنعام : آية ١١٢ ] وقال تعالى : وإذا خلوا إلى شياطينهم [ البقرة : آية ١٤ ] أي : رؤسائهم وعتاتهم المتمردين، وفي الحديث :( الكلب الأسود شيطان ) وقد قال جرير وهو عربي قح :
| أيام يدعونني الشيطان من غزل | وكن يهوينني إذ كنت شيطانا |
يعني : عاتيا متمردا. واختلف العلماء في وزن الشيطان بالميزان الصرفي على قولين أشار إلى كل واحد منهما سيبويه في كتابه، فقال المحققون : وزن الشيطان :( فعال ) بالميزان الصرفي، فالزائد فيه : الياء والألف. وحروفه الصحيحة : الشين في مكان الفاء، والطاء في مكان العين، والنون في مكان اللام ( شطن ) وأن هذا أصله، وأن اشتقاق المادة من البعد ؛ لأنه بعيد من رحمة الله تعالى غاية البعد، والعرب تقول : نوى شطون. أي : بعيد، وبئر شطون : بعيدة القعر، ومن هذا المعنى قول الشاعر :
| نأت بسعاد عنك نوى شطون | فبانت والفؤاد بها حزين |
ويؤيد هذا القول –أن وزن الشيطان بالميزان الصرفي ( فيعال ) وأنه من ( شطن )- قول أمية بن أبي الصلت، وهو عربي قح فصيح :
| إيما شاطن عصاه عكاه | ثم يلقى في السجن والأكبال |
فصرح عن الشيطان بالشاطن، وهو اسم فاعل ( شطن ) من غير نزاع.
وقال قوم آخرون – وأشار له الشيخ عمرو أعني سيبويه في موضع من كتابه - : بأن وزن الشيطان ( فعلان ) وأن الألف والنون زائدتان، وعلى هذا فأصله من ( شاط ) فعلى هذا القول ففاء المادة شين، وعينها ياء، ولامها طاء. من ( شاط ) وأصله :( شيط ) والعرب تقول :( شاط يشيط ). إذا هلك ؛ لأن الشيطان هالك لبعده عن رحمة الله. ومن شاط بمعنى هلك قول الأعشى في شعره :
| قد نخضب العير من مكنون فائله | وقد يشيط على أرماحنا البطل |
أي : يهلك. وهذا معنى قوله :
فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين [ الأعراف : آية ١٧٥ ].
الظاهر أن ( كان ) هنا بمعنى ( صار ) وقد تقرر في علم العربية : أن ( كان ) تطلق ويراد بها صار. ومعنى قوله :
فكان من الغاوين صار من الكافرين. وإطلاق ( كان ) بمعنى ( صار ) إطلاق معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
| بتيهاء قفر والمطي كأنه | قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها |
يعني : قد صارت فراخا بيوضها. و
الغاوين جمع الغاوي، والغاوي : صاحب الغي، والغي : الضلال ( والعياذ بالله ) فكان من الضالين أشد الضلال.