ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

ولما ذكر فيما تقدم خواص قوم سيدنا موسى، ذكر هنا خواص هذه الأمة المحمدية، فقال :
وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : وممن خلقنا أي : ومن جملة ما خلقنا : أمة : طائفة يهدون الناس بالحق ويحملونهم عليه، وبه يَعْدِلُون في حكوماتهم وقضاياهم. رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" هذه الآية لكم، وقد تقدم مثلها لقوم
موسى " ١.
قال البيضاوي : ذكر ذلك بعدما ما بيَّن أنه خلق للنار طائفة ضالين، ملحدين عن الحق، للدلالة على أنه خلق أيضًا للجنة أمة، هادين بالحق، عادلين في الأمر، واستدل به على صحة الإجماع، لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :" لاَ تَزالُ مِنْ أمَّتِي طَائِفةٌ عَلى الحَقِّ، إِلى أن يأتيَ أَمرُ اللهِ " ٢ إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة، فإنه معلوم. ه.
الإشارة : هذه الأمة التي خلقها الله لهداية خلقه، وهي الطائفة التي لا تزال على الحق، وهي مؤلفة من العلماء الأتقياء على اختلاف أصنافهم وعلومهم، ومن الأولياء العارفين، فالعلماء يهدون إلى التمسك بالشرائع وإتقانها، والأولياء العارفون يهدون إلى التحقق بالحقائق وأذواقها، فالعلماء داعون إلى أحكام الله، والعارفون داعون إلى معرفة ذات الله، العلماء لإصلاح الظواهر، والأولياء لإصلاح البواطن، ولا يقوم هذا إلا بهذا، فالظاهر من غير باطن فسق، والباطن من غير ظاهر إلحاد، وسيأتي عند قوله : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِ فِرْقَةٍ. . . [ التّوبَة : ١٢٢ ] الآية، تمثيل منزلتهم عند الله، والله تعالى أعلم.

١ أخرجه الطبري في تفسيره ٩/١٣٥..
٢ أخرجه البخاري في الاعتصام باب ١٠، ومسلم في الإيمان حديث ٢٤٧، والإمارة حديث ١٧٠، ١٧٣، ١٧٤، وأحمد في المسند ٥/٣٤..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير