وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
قال: هذه بشارة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالنصر له، والظفر على أعدائه في الدنيا.
وقال قائلون: هو حرف وعيد؛ أوعدهم - عَزَّ وَجَلَّ - بأذاهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) أي: يهدون الخلق بالحق الذي عندهم، وهو القرآن والكتب التي عندهم.
وأمكن أن يكون الحق هو رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، به يهدون الناس، وبه يعملون.
وجائِز أن يكون قوله: (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) أي: يدعون الخلق إلى سبيل اللَّه؛ على ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).
ويحتمل الحق - هاهنا - هو اللَّه؛ كقوله: (أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) أي: بالحق الذي يهدون يعملون؛ كقوله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ...) الآية.
* * *
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا).
قد ذكرنا هذا في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ).
قال قائلون: هو صلة قوله: (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: فيه الوعد لرسول اللَّه بالنصر له، والظفر على أعدائه.
والاستدراج: هو الأخذ في حال الغفلة من حيث أمن الرجل بغتة؛ كقوله: (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).
وقال قائلون: الاستدراج: المكر، لكن معنى ما يضاف الاستدراج والمكر إلى الخلق غير المعنى الذي يضاف إلى اللَّه، والجهة التي تضاف إلى اللَّه غير الجهة التي تضاف إلى الخلق والجهة التي تضاف إلى الخلق مذمومة، والجهة التي تضاف إلى الله محمودة، وكذلك ما أضيف إلى اللَّه من المكر، والخداع والاستهزاء ونحوه، هو ما ذكرنا على اختلاف الجهات، والمعنى في الجهة التي تضاف إلى اللَّه غير الجهة التي تضاف إلى الخلق؛ لأن اللَّه - تعالى - يأخذهم بما يستوجبون ويستحقون بحق الجزاء والمكافأة، فلا يلحقه في ذلك ذم، وأما الخلق فيما بينهم يمكرون ويكيدون، لا على الاستحقاق والجزاء.
وعن الحسن في قوله: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) قال: كلما جددوا لله معصية، جدد اللَّه لهم نعمة؛ ليستهزءوا ويأشروا ويبطروا، ثم يهلكهم.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم