وممّن خلقنا أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون ١٨١ والذين كذّبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ١٨٢ وأملي لهم إن كيدي متين ١٨٣ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين ١٨٤ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق اللّه من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون ١٨٥ من يضلل اللّه فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ١٨٦
بعد الانتهاء من قصة موسى مع قومه التي ختمت بها قصص الرسل من هذه السورة بين الله تعالى لنا في بضع آيات منها شيئا من شؤون البشر العامة في الإيمان والشرك والهدى والضلال، وما لفساد الفطرة وإهمال مواهبها من العقل والحواس من سوء المآل، وأرشدنا في آخرها إلى ما يصلح فساد الفطرة من دعائه بأسمائه الحسنى، وإلى ما للإلحاد فيها من سوء الجزاء في العقبى. ثم قفى على هذه البضع الآيات ببضع آيات أخرى في شأن الأمة المحمدية بدأها بوصف أمة الإجابة، وثنى بذكر المكذبين من أمة الدعوة، وثلث بتفنيد ما عرض لهم من الشبهة، فالإرشاد إلى التفكر الموصل إلى فقه الأمور وما في حقائقها من العبرة، وإلى النظر الهادي إلى مآخذ البرهان والحجة، لمعرفة صدق الرسول وما في القرآن من الهداية والعلم والحكمة، فالموعظة الحسنة المؤثرة في النفس المستعدة بالتذكير بقرب الأجل، والاحتياط للقاء الله عز وجل، وختمها ببيان عدم الطمع في هداية من قضت سنة الله بضلاله، وتركه يعمه في طغيانه.
وأملي لهم إن كيدي متين الإملاء الإمداد في الزمن والإمهال والتأخير مشتق من الملوة والملاوة وهي الطائفة الطويلة من الزمن، والملوان الليل والنهار قال الراغب : وحقيقته تكررهما وامتدادهما، يقال أملى له إذا أمهله طويلا. وأملى للبعير إذا أرخى له الزمام ووسع له في القيد ليتسع له المرعى. واهجرني مليا [ مريم : ٤٦ ] أي زمنا طويلا. والملا بالقصر المفازة الواسعة الممتدة، وأما الإملاء للكاتب بمعنى تلقينه ما يكتب فأصله أملل. فهو ليس من هذه المادة.
والكيد كالمكر هو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره بحيث ينخدع المكيد له بمظهره فلا يفطن له حتى ينتهي إلى ما يسوءه من مخبره وغايته، وأكثره احتيال مذموم، ومنه المحمود الذي يقصد له المصلحة ككيد يوسف لأخذ أخيه الشقيق من إخوته لأبيه برضاهم ومقتضى شريعتهم، ولذلك أسند وأضيف إلى الله عز وجل في مثل هذين الموضعين. والجمهور على أن إضافة الكيد والمكر أو إسنادهما إليه تعالى في القرآن من باب المشاكلة أو متأول بمعنى العقاب والجزاء وما بيناه أدق، والمتين القوي الشديد.
ومعنى الآية وأمهل هؤلاء المكذبين المستدرجين في العمر وأمد لهم في أسباب المعيشة والقدرة على الحرب بمقتضى سنتي في نظام الاجتماع للبشر كيدا لهم ومكرا بهم، لا حبا فيهم ونصرا لهم، فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون [ المؤمنون : ٥٤- ٥٦ ] وإن تسأل عن كيدي فهو قوي متين : قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي موسى ( إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) ١ فمعنى هذا الإملاء أن سنة الله تعالى في الأمم والأفراد قد مضت بأن يكون عقابهم بمقتضى الأسباب التي قام بها نظام الخلق، فالمخذول إذا بغى وظلم ولم ينزل به العقاب الإلهي عقب ظلمه يزداد بغيا وظلما ولا يحسب للعواقب حسابا فيسترسل في ظلمه إلى أن تحيق به عاقبة ذلك بأخذ الحكام له أو بتورطه في مهلكة أخرى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
وقد نقلنا في أوائل هذا التفسير عن شيخنا الأستاذ الإمام أن عذاب الأمم في الدنيا مطرد، وأما عذاب الأفراد فقد يتخلف ويرجأ إلى الآخرة. وحققنا في مواضع أخرى أن عقاب الأمم وبعض عقاب الأفراد أثر طبيعي لذنوبهم فالأمم والشعوب الباغية الظالمة لابد أن يزول سلطانها وتدول دولتها، والسكير والزناء لا يسلمان من الأمراض التي سببها السكر والزنا. والمقامر قلما يموت إلا فقيرا معدما الخ.
وقد سردنا الشواهد في مواضع أخرى على عقاب الأمم من الآيات التي صدقتها شواهد التاريخ الماضي والحاضر وستصدقها في المستقبل، وما كانت الحرب الأخيرة العظمى إلا بعض عقاب الله تعالى للذين صلوا نارها ببغيهم وفسوقهم، وسيرون ما هو شر منها إذا لم يرجعوا عن غيهم.
من تحقيق المباحث اللفظية في الآيات كلمتا التفكر والنظر العقلي وقد عبر هنا بالتفكر في موضوع استبانة كون النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون كما زعم بعض غواتهم، وبالنظر في جملة الملكوت وجزئياته في موضوع الإيمان بما جاءهم به الرسول من كتاب الله تعالى، فنبين ذلك بما تظهر به نكتة الفرق بين التعبيرين، ويتجلى تفسير الآيتين :
الفكر بالكسر عبارة عن التأمل في المعاني وتدبرها وهو اسم من فكر يفكر فكرا ( من باب ضرب ) وفكر بالتشديد وتفكر : ومثله الفكرة والفكري. وفسروه أيضا بإعمال الخاطر وإجالته في الأمور، وقال الراغب : الفكرة مطرقة للعلم إلى العلوم، والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل.... ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب ولهذا روي ( تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله ) إذ كان منزها أن يوصف بصورة. ثم أورد الشواهد من الآيات ومنها آية الأعراف هذه. ثم نقل عن بعض الأدباء أن الفكر مقلوب عن الفرك لكنه يستعمل في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها اهـ.
وقال علماء المنطق الفكر ترتيب أمور معلومة للتوصل إلى مجهول تصوري أو تصديقي، وهو ينافي الحكم على ظواهر الأشياء أو فيها بادي الرأي من غير تمحيص ولا تقدير. واستعمال القرآن للتفكر والتفكير يدل على أنهما في العقليات المحضة أو في العقليات التي مبادئها حسيات، فالإنسان يفكر فيما ينبغي أن يقوله في المواقف التي تميز الأقوال، وفيما ينبغي أن يفعله حيث تنتقد الأفعال، ويفكر في أقوال الناس وأفعالهم، ويفكر في الأمور الاجتماعية والأدبية والدينية والسياسية، ويفكر أيضا في المبصرات كالمسموعات والمعقولات، وأكثر ما استعمله التنزيل في آيات الله ودلائل وجوده ووحدانيته وحكمته ورحمته.
وأما النظر فقد قال الراغب في تعريفه : هو تقليب البصر أو البصيرة في إدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص وهو الروية، يقال نظرت فلم تنظر أي لم تتأمل ولم تترو. وقوله تعالى : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض [ يونس : ١٠١ ] أي تأملوا واستعمال النظر في البصر أكثر عند العامة، وفي البصيرة أكثر عند خاصة. اهـ وقد اختلف علماء المعقول من المناطقة والمتكلمين في الفكر والنظر هل هما مترادفان أو أحدهما أخص من الآخر ولهم كلام طويل في ذلك أكثره اصطلاحي غير مقيد باستعمال اللغة.
واستعمال القرآن يدل على أن النظر العقلي مبدأ من مبادئ الفكر والتفكير، كما أن مبدأه هو النظر الحسي في الغالب كقوله تعالى : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت [ الغاشية : ١٧ ] ؟ الخ وقوله : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها [ ق : ٦ ] الخ ومنه النظر في عاقبة الأمم برؤية آثارها في عدة آيات والشواهد على ذلك في التنزيل معروفة فلا نطيل في سردها. والآيات التي نحن بصدد تفسيرها جمعت بين المبدأ الحسي وهو ملكوت السماوات والأرض والمبدأ الفكري وهو اقتراب الأجل، وهما وما في معناهما يدلان على بناء الدين الإسلامي على قاعدتي النظر العقلي والتفكر اللذين يمتاز بهما الأفراد والأمم بعضها على بعض والله أعلم وأحكم.
تفسير المنار
رشيد رضا