ﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

ثم قال جل وعلا : وأملي لهم إن كيدي متين ١٨٣ [ الأعراف : آية ١٨٣ ] عبر في الفعل الأول بصيغة الجمع للتعظيم قال : سنستدرجهم وعبر في الثاني بهمزة المتكلم وأملي لهم ومعنى قوله جل وعلا : وأملي لهم أي : سأملي لهم، وأصل مادة ( أملي ) : وأملى يملي أصلها من ( الملاوة ) بالواو، فلام المادة : واو. والملاوة : الزمن. ومعنى : وأملي لهم : أؤخرهم وأمهلهم ملاوة، أي : زمنا غير قليل كما هو معروف، فالعرب تقول :( أمليت له ) و ( أملى له ) إذا أخره ملاوة من الزمن، فأصل الياء مبدلة من واو، والملاوة : هي الزمن، ومنه قوله تعالى عن إبراهيم : واهجرني مليا [ مريم : آية ٤٦ ] أصل إحدى الياءين واو. أي : زمنا غير قصير. وهو معنى قوله في كلام العرب، ومنه قول المهلهل يرثي أخاه كليبا :

فتصدعن صم الجبال لفقده وبكت عليه المرملات مليا
أي : ملاوة من الزمن غير قليلة.
ومن هنا كانت العرب تقول لليل والنهار : الملوان، ومنه قول تميم بن مقبل :
ألا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلي الملوان
وتقول العرب :( ملو الليل والنهار ) معناه : زمن الليل والنهار، ومنه قوله :
نهار وليل دائم ملواهما على كل حال المرء يختلفان
وتقول العرب :( تمليت العيش ) و( تملى فلان العيش ) أي : عاش في حياته ملاوة من الزمن، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الأعلم بن جرادة السعدي – أو شاعر آخر من شعراء تيم، أعني تيم الرباب- قوله :
ألم تر ما لاقيت والدهر أعصر ومن يتمل العيش يرأى ويسمع
فقوله : وأملي لهم أي : أمهلهم وأؤخرهم ملاوة من الزمن –والملاوة مثلثة الميم- أي :: زمنا غير قصير، وأنعم عليهم حتى يغتروا بتلك النعم فأهلكهم وهم في أشد غفلة، هذا معنى : وأملي لهم ، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ( رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله ليملي للظالم ) يعني : يمهله ويؤخره ملاوة من الزمن ( حتى إذا أخذه لم يفلته ) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكذلك أخد ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ١٠٢ [ هود : آية ١٠٢ ].
قوله : إن كيدي الكيد : في لغة العرب معناه : المكر، وهو أن يكون الفاعل يبطن غير ما يظهر، وسمى الله هذا الاستدراج كيدا لأن ظاهره إنعام وإغداق نعم وباطنه استدراج يستدنيهم به ويستدرجهم إلى الموت والعذاب الدائم الذي يخلدون فيه ؛ ولذا قال : إن كيدي متين أي : استدراجي لهم بالنعم التي تبطرهم وتزيدهم غفلة وبطرا وتكبرا عن قبول آيات الله، حتى يهلكوا وهم في أشد حالة من الحالات كفرا ؛ هذا الكيد كيد الله ( جل وعلا ) ووصفه بأنه متين، والمتين من كل شيء : القوي الشديد القوة، وكيد الله ( جل وعلا ) : متين، وكيد الله ( جل وعلا ) من أحسن ما يكون، واقع موقعه، تصرف حكيم خبير، حيث أغدق النعم على هذا الكافر فغفل فأخذه في غرة وغفلة، وعامله بما يستحقه من كفره، وهذا معنى قوله : وأملي لهم إن كيدي متين ١٨٣ .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير