المعنى الجملي : هذه الآيات الكريمة من تتمة ما قبلها مؤكدة له ومقررة لما تتضمنه وهو إثبات التوحيد ونفي الشرك، وهو رأس الإسلام وركنه المتين، فلا غرو أن يتكرر الكلام فيه القرآن، نفيا وإثباتا ليتأكد في النفوس، ويثبت في القلوب، وبه تخلع جذور الوثنية، ويحل محلها نور الوحدانية.
الإيضاح : والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون أي وإن من تدعونهم لنصركم وجلب النفع لكم ودفع الضر عنكم عاجزون، فلا هم بالمستطيعين نصركم ولا نصر أنفسهم على من يحقر شأنهم أو يسلبهم شيئا مما وضع عليهم من طيب أو حلي، فقد كسّر إبراهيم صلوات الله عليه الأصنام فجعلهم جذاذا فما استطاعوا أن يدفعوه عن أنفسهم ولا أن ينتقموا منه لها.
وقد روي عن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما وكانا شابين من الأنصار قد أسلما لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أنهما كانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك ويرتئوا لأنفسهم رأيا آخر.
وكان لعمرو بن الجموح وكان سيد قومه صنم يعبده فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة فيجيء عمرو فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضا، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء ورأى ذلك علم أن ما كان عليه من الدين باطل وأنشد :
| تالله لو كنت إلها مستدن | لم تك والكلب جميعا في قرن |
وبعد أن نفى عنهم القدرة على النصرة قفى على ذلك بنفي قدرتهم على الإرشاد إلى الهدى والرشاد فقال : وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا .
تفسير المراغي
المراغي