يقو الله جل وعلا : وإذا لم تأتيهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما اتبع ما يوحي إلى من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ٢٠٣ [ الأعراف : آية ٢٠٣ ] وإذا لم تأتيهم ( إذا ) أصلها ظرف مضمن معنى الشرط، ومن أحكامه عند علماء العربية : أنه يدل على تحقق وجود المشروط. فلو قلت لعبدك وهو يعرف معنى اللغة العربية :( إن جاءك زيد فأعطه درهما ). فهو يعلم أن معنى الكلام : أن زيدا محتمل أن يجيء ومحتمل أن لا يجيء ؛ لأن ( إن ) حرف شرط لا يقتضي وجود الشرط. أما إذا قلت له :( إذا جاءك زيد فأعطه درهما ) وهو يعرف معنى اللغة فإنه يعلم أن زيدا آت لا محالة ؛ لأن ( إذا ) تدل على تحقق وقوع الشرط، وهي لا تقتضي التكرار على التحقيق إلا إذا اقترنت بقرينة تدل على ذلك. فمن قال لزوجته :( إذا دخلت الدار فأنت طالق ) ثم دخلتها فإنها تطلق، ولو دخلتها مرة أخرى لا يكون عليه طلاق جديد ؛ لأن ( إذا ) ليس أداة تكرار. قال بعض علماء العربية : وربما دلت على التكرار إن احتفت بقرينة يفهم منها ذلك. والتحقيق أن ( إذا ) قد يأتي أداة تكرار إذا دلت قرينة على ذلك، ومنه بذلك المعنى قوله :
| إذا وجدت أوار النار في كبدي | ذهبت نحو سقاء القوم أبترد |
| هبني بردت ببرد الماء ظاهره | فمن لنار على الأحشاء تتقد |
وقوله : وإذا لم تأتيهم كانت عادة الكفار اقتراح الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، تارة يقترحون عليه آيات قرآنية تتلى غير هذا القرآن، كما سيأتي في سورة يونس، وفي تفسير قوله : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي إن أتبع إلا ما يوحي إلي [ يونس : آية ١٥ ] وتارة تكون الآيات المقترحات آيات كونية قدرية كما في قوله : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ٩٠ وفي القراءة الأخرى : حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ٩٠ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب [ الإسراء : الآيتان ٩٠، ٩١ ] إلى آخر الآيات المقترحات، وهي كثيرة في كلام العرب.
ومن العلماء ما ظاهر كلامه أن الآية المقترحة هنا آيات أخر من جنس القرآن غير ما أنزل، وعلى هذا القول فلا إشكال في الكلام ؛ لأن معنى : وإذا لم تأتيهم بآية تقرأ عليهم آيات أخر غير ما انزل عليك قالوا لولا اجتبينها ( لولا ) هنا حرف تحضيض، والتحضيض : الطلب بحث. معناه : أطلب منك طلبا حثيثا شديدا أن تجتبيها.
و اجتبيتها أصل الاجتباء معناه المشهور في لغة العرب : الاختبار والاصطفاء. هذا أشهر معانيه المعروفة، ومنه قوله : ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ١٢٢ [ طه : آية ١٢٢ ] قال بعض العلماء : لولا اخترتها واصطفيتها وجئت بها. وقالت جماعة من المفسرين : العرب تقول : اجتبيت الكلام. إذا اختلقته واخترعته من وقته، ولم يكن عندك فيما سبق، بل جئت به اختلاقا واختراعا في وقته. لولا اجتبيتها هلا جئت بها مخترعة مختلفة في عجلة ؛ لأنهم يزعمون أن كل القرآن اختلاق إن هذا إلا اختلاق [ ص : آية ٧ ] إن هذا إلا أساطير الأولين [ الأنعام : آية ٢٥ ] كما أن هذا الذي تقرأ مختلق في زعمهم فاقرأ الآية المطلوبة منك مختلفة أيضا كهذا الذي تقرأ. وهذا تكذيب منهم – قبحهم الله - بالقرآن. وعلى هذا القول فلا إشكال في قوله : لولا اجتبيتها أي : هلا اخترعتها واختلقتها وقرأتها علينا كما طلبناك، كما اختلقت هذا القرآن كله ونسبته إلى الله بغير حق. هذا قولهم لعنهم الله.
وذهبت جماعة أخرى من أهل التأويل إلى أن الآية المطلوبة هنا آية كونية قدرية، كما قال : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [ الإسراء : آية ٩٠ ] وقد قالوا له صلى الله عليه وسلم : اجعل لنا الصفا ذهبا، وباعد عنا بين جبال مكة لنزدرعها، وهاتنا بالرياح لنركبها إلى الشام كما كان يفعل سليمان، وأحيي لنا قصيا نسأله عنك هل أنت رسولا أو لا ؟ إلى غير ذلك من الآيات المقترحات.
وعلى أن الآية المطلوبة هنا كونية قدرية قال بعض العلماء : معنى لولا اجتبيتها هلا اقترحتها وتلقيتها من تلقاء ربك ؛ لأنك تزعم أن كل ما سألت منه يعطيك إياه. يعني فتقلب لنا الصفا ذهبا، وتحيي لنا قصيا نسأله عنك، إلى غير ذلك من الآيات المقترحات. وعلى هذا القول فالاجتباء هنا بمعنى تلقيها من الله مقترحة، وإجابة الله إلى ذلك. وهذا معنى قوله : لولا اجتبيتها قل لهم يا نبي الله : ليس من شأني اختلاق الآيات التي تقرأ وتتلى، وليس من شأني اقتراح الآيات الكونية القدرية، وإنما أنا عبد مأمور أفعل كما أمرني ربي ولا أتجاوزه إلى شيء آخر.
إنما اتبع ما أتبع إلا ما يوحي إلى فهذا الذي أتلوه عليكم أوحاه ربي إلي، وهو الذي أقرأه عليكم، أما شيء آخر لم يوح إلي فلا أقوله لكم ولا أقترح على ربي شيئا. والله ( جل وعلا ) قد بين في سورة بني إسرائيل أنه إنما لم يرسله بخارق مثل خارق الرسل المتقدمة كناقة صالح ونحو ذلك أنه إن فعل ذلك كذبوا فأهلكم، كما قال : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها [ الإسراء : آية ٥٩ ] لأن الله تبارك وتعالى لما اقترحوا هذه الآيات بين لهم هنا وفي سورة العنكبوت أنه أنزل لهم آية هي أعظم من جميع الآيات وأكبر، وهي هذا القرآن العظيم، فهذا القرآن العظيم أعظم آية من ناقة صالح، ويد موسى البيضاء، وعصاه التي تكون ثعبانا. ومما يدل على أنها أعظم الآيات : أنها تتردد في أسماع الخلائق إلى يوم القيامة، وأنها كلام رب العالمين الذي يعجز عن الإتيان بمثله جميع الخلائق، وقد تحدى الله العرب بسورة من هذا القرآن العظيم في سورة البقرة قال : فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين [ البقرة : آية ٢٣ ] وتحداهم بسورة منه في سورة يونس قال : أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ٣٨ [ يونس : آية ٣٨ ] وتحداهم بعشر سور في سورة هود أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ١٣ [ هود : آية ١٣ ] وتحداهم به كله في سورة الطور : فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ٣٤ [ الطور : آية ٣٤ ] ثم بين في سورة بني إسرائيل أن عامة الخلائق لو تعاونوا واجتمعوا لا يقدرون على الإتيان بمثل هذا القرآن : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ٨٨ [ الإسراء : آية ٨٨ ] فلما كان معجزة يعجز عن مضاهاتها جميع الإنس والجن، وهي معجزة باقية تتردد في آذان الخلائق إلى يوم القيامة، محفوظة، تولى رب العالمين حفظها، لو أراد أحد أن يزيد في هذا القرآن العظيم نقطة واحدة، أو يغير شكل حرف لرد عليه الآلاف من صغار أطفال المسلمين في أقطار الدنيا : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ٩ [ الحجر : آية ٩ ] ولأجل عظم هذه الآية وكبرها وأنها أعظم الآيات وأكبرها أنكر ( جل وعلا ) على من طلب آية غيرها إنكارا شديدا في سورة العنكبوت حيث قال تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين ٥٠ ثم أنكر عليهم طلب آية غيره قال : أولم يكفيهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة الآية [ العنكبوت : الآيتان ٥٠- ٥١ ]. فمن لم يكتف بهذه الآية العظمى عن جميع الآيات فهو جدير بأن ينكر عليه ؛ ولذلك قال هنا في أخريات الأعراف لما قال عنهم إنهم قالوا : لولا اجتبيتها بين لهم أن هذا القرآن العظيم أعظم آية، لا ينبغي للإنسان أن يطلب آية غيره حيث قال : هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [ الأعراف : آية ٢٠٣ ] فمن لم تهده هذه البصائر، والأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، والمعجزة العظمى، والهدى والرحمة فلا آية تهديه ألبتة. وهذا معنى قوله : قل إنما أتبع ما يوحي إلي من ربي لا أختلق آية ولا أقترح أخرى.
ثم قال : هذا بصائر من ربكم الإشارة في ( هذا ) إلى هذا القرآن العظيم. أي : هذا القرآن الذي هو أعظم آية وأنتم تقترحون آيات غيره بصائر من ربكم البصائر جمع البصيرة، والبصيرة المراد بها : البرهان القاطع والدليل الساطع الذي يبصر في ضوئه الحق واضحا لا لبس فيه. فالبصائر : الحجج القاطعات، والبينات الواضحات التي لا تترك في الحق لبسا، وواحدها ( بصيرة )، ومنه قوله تعالى في أخريات يوسف : قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [ يوسف : آية ١٠٨ ] وإنما كان المبتدأ الذي هو ( هذا ) إشارة إلى مذكر، والخبر جمع تكثير جمع تكسير ( بصائر ) ؛ لأن ( هذا ) وهو إشارة إلى القرآن، والقرآن يتضمن حججا كثيرة، وبراهين قاطعة بكثرة ؛ ولذا عبر عنه ب( هذا ) وأخبر عنه بقوله : بصائر و وهدى أي : بيان ودلالة ؛ لأن القرآن العظيم يطلق هداه الهدى العام، ويطلق هداه الهدى الخاص، والقرآن العظيم قد بين تعالى أن له هدى عاما للأسود والأحمر، وهدى خاصا لمن وفقه الله.
أما الهدى العام : فمعناه بيان الطريق، وإيضاح المحجة البيضاء، وبيان الحق من الباطل، والنافع من الضار، والحسن والقبيح، تقول العرب :( هديته ) إذا أرشدته إلى الخير، سواء تبعه أم لا. ومنه بمعناه العام : وأما ثمود فهديناهم أي : بينا لهم الحق على لسان نبينا صالح، وهو هداية إرشاد وبيان لا هداية توفيق ؛ لأن الله قال : فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون الآية [ فصلت : آية ١٧ ].
ومن إطلاق الهدى بمعناه العام الذي هو البيان والإيضاح والإرشاد قوله تعالى : إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ٢ إنا هديناه السبيل أي : بينا له طريق الحق وطريق الباطل، بدليل قوله : إما شاكرا وإما كفورا [ الإنسان : الآيتان ٢، ٣ ] لأن الهداية في قوله : هديناه السبيل لو كانت هداية توفيق لما قسم من هداه الله بها إلى شاكر وإلى كفور.
المعنى الثاني : هو إطلاق الهدى بمعناه الخاص، والهدى بمعناه الخاص : معناه توفيق الله ( جل وعلا ) لعبده حتى يهتدي إلى ما يرضي ربه، ويكون سبب دخوله الجنة. ومنه بهذا المعنى : من يهد الله فهو المتهدي [ الأعراف : آية ١٧٨ ] وقوله تعالى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ الأنعام : آية ٩٠ ].
وكون الهدى يطلق إطلاقا عاما وإطلاقا خاصا إذا فهم الإنسان ذلك زالت عنه إشكالات في كتاب الله، ومناقضات يظنها الجاهل ببعض آيات الله، كقوله تعالى في نبينا صلى الله عليه وسلم : وإنك لتهدي من أحببت [ القصص : آية ٥٦ ] مع قوله فيه : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ الشورى : آية ٥٢ ] فنفى عنه الهدى في آية وأثبته له في آية، فالهدى المثبت له في قوله : وإنك لتهدي إلى صراط المستقيم هو الهدى بمعناه العام، وهو البيان والإيضاح. وقد بين صلى الله عليه وسلم هذه المحجة البيضاء حتى تركها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات الله وسلامه عليه.
أما الهدى المنفي عنه في قوله : إنك لا تهدي من أحببت [ القصص : آية ٥٦ ] فهو التفضل بالتوفيق وسعادة المرء ؛ لأن هذا بيد ال
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير