فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)
شرح الكلمات:
قالوا لولا اجتبيتها: أي اخترعتها واختلقتها من نفسك وأتيتنا بها.
هذا بصائر من ربكم: أي هذا القرآن حجج وبراهين وأدلة على ما جئت به وادعوكم إليه فهو أقوى حجة من الآية التي تطالبون بها.
فاستمعوا له وانصتوا: أي اطلبوا سماعه وتكلفوا له، وانصتوا عند ذلك أي اسكتوا حتى تسمعوا سماعاً ينفعكم.
وخيفة: أي خوفاً.
بالغدو والآصال: الغدو: أول النهار، والآصال: أواخره.
من الغافلين: أي عن ذكر الله تعالى.
إن الذين عند ربك: أي الملائكة.
يسبحونه: ينزهونه بألسنهم بنحو سبحان الله وبحمده.
معنى الآيات:
ما زال السياق في توجيه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعليمه الرد على المشركين خصومه فقال تعالى عن المشركين من أهل مكة وإذا لم تأتيهم يا رسولنا بآية ١ كما طلبوا قالوا لك لولا أي هلا اجتبيتها أي اخترعتها وأنشأتها من نفسك ما دام ربك لم يعطها قل لهم إنما أنا عبد الله ورسوله لا أفتات عليه وإنما اتبع ما يوحى إليّ من ربي وهذا القرآن الذي يوحى إلي بصائر٢ من حجج وبراهين على صدق دعواي وإثبات رسالتي،
٢ البصائر: جمع بصيرة وهي ما به يتضح الحق، وفي هذا تنويه بشأن القرآن العظيم وأنه: أعظم من الآيات أي: الخوارق التي يطالبون بها في الدلالة على الحق الذي ضلّوا عنه.
وصحة ما أدعوكم إليه من الإيمان والتوحيد وترك الشرك والمعاصي، فهلا آمنتم واتبعتم أم الآية الواحدة تؤمنون عليها والآيات الكثيرة لا تؤمنون عليها أين يذهب بعقولكم؟ وعلى ذكر بيان حجج القرآن وأنواره أمر الله تعالى عباده المؤمنين إذا قرىء عليهم القرآن أن يستمعوا وينصتوا وسواء كان يوم الجمعة على المنبر أو كان في غير ذلك١ فقال تعالى فإذا قرىء القرآن فاستمعوا له أي تكلفوا السماع وتعمدوه وانصتوا بترك الكلام لعلكم ترحمون أي رجاء أن ينالكم من هدى القرآن رحمته فتهتدوا وترحموا لأن القرآن هدى ورحمة للمؤمنين.
ثم أمر تعالى رسوله وأمته تابعة له في هذا الكمال فقال تعالى واذكر ربك في نفسك أي سراً تضرعاً أي تذللاً وخشوعاً، وخيفة٢ أي وخوفاً وخشية ودون الجهر من القول وهو السر بأن يسمع نفسه فقط أو من يليه لا غير وقوله بالغدو والآصال أي أوائل النهار وأواخره، ونهاه عن ترك الذكر وهو الغفلة فقال ولا تكن من الغافلين وذكر له تسبيح٣ الملائكة وعبادتهم ليتأسى بهم، فيواصل العبادة والذكر ليل نهار فقال إن الذين عند ربك وهم الملائكة في الملكوت الأعلى لا يستكبرون عن عبادته أي طاعته بما كلفهم به ووظفهم فيه ويسبحونه وله يسجدون٤ فتأس بهم ولا تكن من الغافلين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- القرآن أكبر آية بل هو أعظم من كل الآيات التي أعطيها الرسل عليهم السلام.
٢- وجوب الإنصات عند تلاوة القرآن وخاصة في خطبة الجمعة على المنبر وعند قراءة الإمام في الصلاة الجهرية.
٢ الخيفة: أصلها خوفة فقلبت الواو ياءُ لانكسار ما قبلها، وهي مصدر خاف المرء يخاف خوفاً وخيفة ومخافة فهو خائف.
٣ تسبيح الملائكة معناه: تعظيمهم لله تعالى وتنزيههم له عزَّ وجلّ عن الشريك والولد.
٤ صيغة المضارع في يسبحون و يسجدون لحصر السجود في الله تعالى وعدم جوازه لغيره عز وجل.
٣- وجوب ذكر الله بالغدو والآصال.
٤- بيان آداب الذكر وهي:
١-السرية.
٢- التضرع والتذلل.
٣- الخوف والخشية.
٤- الإسرار به وعدم رفع الصوت به، لا كما يفعل المتصوفة.
٥- مشروعية الأئتساء بالصالحين والإقتداء بهم في فعل الخيرات وترك المنكرات.
٦- عزيمة السجود عند قوله وله يسجدون١ وهذه أول سجدات القرآن ويسجد القارىء والمستمع له، أما السامع فليس عليه سجود، ويستقبل بها القبلة ويكبر عند السجود وعند الرفع منه ولا يسلم وكونه متوضأً أفضل.
سورة الأنفال
مدنية
وآياتها خمس وسبعون آية
بسم الله الرحمن الرحيم
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري