وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي عياض عن أبي هريرة قال : كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية، وفي رواية عنه أنها نزلت في رفع الأصوات خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي فلم يرد وكان الرجل قبل ذلك يتكلم في صلاته ويأمر لحاجته فلما فرغ رد عليه وقال : إن الله يفعل ما يشاء وإنها نزلت وإذا قرئ القرآن فاستمعوا إليه وأنصتوا لعلكم ترحمون ، وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : كنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة فنزلت فاستمعوا له وأنصتوا، وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن مغفل قال : كان الناس يتكلمون في الصلاة فأنزل الله هذه الآية فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكلام في الصلاة، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ وابن جرير والبيهقي عن قتادة قال : كانوا يتكلمون في الصلاة أول ما أمروا بها كأن الرجل يجيء وهم في الصلاة فيقول لصاحبه كم صليتم فيقول كذا وكذا فأنزل الله هذه الآية فأمروا بالإستماع والإنصات، وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك فال : كانوا يتكلمون في الصلاة فأنزل الله هذه الآية. فهذه الروايات تدل على أن الآية نزلت للنهي عن الكلام في الصلاة فقال أبو حنيفة رحمه الله وهو رواية عن أحمد أن الكلام في الصلاة عامداً كان أو ناسيا أو ساهيا أو مكرها أو جاهلا بالتحريم قل أو أكثر ينقض الصلاة، غير أن السلام ناسيا غير مبطل للصلاة، وعند الأئمة الثلاثة إذا تكلم في صلاته أو سلم ناسيا أو جاهلا بالتحريم أو سبق لها لسانه لا يبطل صلاته وإن طال، والأصح عند الشافعي أن الكلام ناسيا ونحو ذلك إن طال يبطل، وعن مالك أن كلام العامد فيما فيه مصلحة وإن لم يكن عائدة إلى الصلاة كإرشاد الضال وتحذير الضرير لا يبطل الصلاة. احتج الأئمة الثلاثة بحديث ابن سيرين عن أبي هريرة قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى صلاة العشاء فصلى ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا : قصرت الصلاة وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين فقال يا رسول الله نسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال : لم أنس ولم تقصر الصلاة، فقال أكما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر فربما سألوه ثم سلم، فيقول يعني ابن سيرين نبئت أن عمران بن حصين قال : ثم سلم )(١) متفق عليه وبحديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سَلَّمَ في ثلاث ركعات من العصر ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق وكان في يده طول، فقال يا رسول الله فذكر به فخرج كأنه غضبان يجر ردائه حتى انتهى إلى الناس فقال أصدق هذا ؟ قالوا نعم فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم رواه مسلم، وجه الإحتجاج أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكلم معتقدا أن صلاته قد تمت وأنه ليس في صلاة وكذلك ذو اليدين لإمكان النسخ. واعترض على هذا الحديث بوجوه : أحدها أن أبا هريرة أسلم في سنة سبع وذو اليدين قتل يوم بدر فكيف يصح قوله صلى بنا، وثانيها أن ألفاظه يختلف فتارة يروى فسلم من ركعتين وتارة من ثلاث، وثالثها أن هذا كان حين كان الكلام مباحا في الصلاة ولهذا تكلم أبو بكر وعمر والناس عامدين، وأجيب بأنه اتفق الأئمة على صحة الحديث وسام ذي اليدين الخرباق كما ذكر في حديث عمران بن حصين وهو عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين اسمه عمير، وإنما وقع اعتراضهم على رواية الزهري لهذا الحديث فإنه قال : في رواية فقام ذو الشمالين، قال : أبو داود السجستاني وهم الزهري في الحديث فرواه عن ذي الشمالين ظنا منه أن ذا الشمالين وذا اليدين واحد، وأما اختلاف ألفاظه فجوابه أن حديث أبي هريرة لم يختلف وإنما يروى الثلاث من عمران وهو من أفراد مسلم وحديث أبي هريرة وأصح وأن الشك في العدد لا يضر مع حفظ أهل الحديث وثبوت الكلام ناسيا، وأما تحريم الكلام فقال أبو حاتم بن حبان إنما كان الكلام بمكة فلما بلغ المسلمون بالمدينة سكتوا، وقال : زيد بن أرقم وهو من أهل المدينة كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت(٢) وقال : أبو سليمان الخطابي نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة على القولين كأن تحريم الكلام قبل إسلام أبي هريرة بيقين. وأما كلام أبي بكر وعمر الناس فأجيب عنه بوجهين أحدهما أن في رواية حماد بن زيد عن أيوب أنهم أومؤا أي نعم فدل ذلك أن رواية من روى أنهم قالوا نعم فيه تجوز والمراد أنهم أومؤا ثانيهما أنه لم ينسخ من الكلام ما كان جوابا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحديث أبي سعيد بن المعلى قال :( كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم أجبه حتى أتيته فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال ( ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم )(٣) رواه البخاري، واحتج أبو حنيفة بحديث معاوية بن الحكم قال : بينا نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت له يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أماه ما شأنكم تنظرون إلي ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلا رأيتهم يصمتوني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعاني فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه والله ما لهزني ولا شتمني ولا ضربني ثم قال :( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن )(٤) رواه مسلم، وبحديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء ) رواه الدارقطني، وأجيب بأن حديث معاوية حجة على أبي حنيفة لا له حيث لم يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإعادة الصلاة وإنما علمه أحكام الصلاة، وقال : له لا يصلح لأنه محظور في الصلاة، وأما حديث جابر فهو من رواية أبي شيبة عن يزيد بن خالد عن أبي سفيان وأبو شيبة اسمه عبد الرحمان بن إسحاق ضعيف، كذلك قال : يحيى بن معين وقال : أحمد ليس بشيء منكر الحديث ويزيد لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد كذا قال : ابن حبان والله أعلم وقال : سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد أن الآية في الخطبة أمروا بالإنصات لخطبة الإمام يوم الجمعة واختار السيوطي هذا القول وقد ذكرنا مسئلة الإنصات في الخطبة في سورة الجمعة، وقال : عمر بن عبد العزيز الإنصات لقول كل واعظ وقال : الكلبي كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار يعني بالدعاء والتعوذ وقال : قوم نزلت الآية في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام، قال : البغوي : روى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال : نزلت هذه الآية في رفع الأصوت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكر البغوي : عن المقداد أنه سمع ناسا يقرءون مع الإمام فلما انصرف قال : أما آن لكم أن تفقهوا إذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله، قال : البغوي : وهذا قول الحسن والزهري والنخعي أن الآية في القراءة في الصلاة خلف الإمام، قال : البغوي وهذا أول ممن قال : أنها نزلت للإنصات في الخطبة لأن الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة وقال ابن همام أخرج البيهقي عن الإمام أحمد قال : أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة وأخرج عن مجاهد أن عليه السلام يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الأنصار فنزل وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وقد ذكرنا مسئلة قراءة خلف الإمام في سورة المزمل في تفسير قوله تعالى فاقرءوا ما تيسر من القرآن (٥) وأخرج ابن جرير عن الأزهري قال : نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما قرأ شيئا قرأه، قلت : يعني خارج الصلاة، وقال : سعيد بن المنصور في سننه حدثني أبو معشر عن محمد بن كعب قال : كانوا يتلقون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ شيئا قرأوا معه حتى نزلت هذه الآية في الأعراف قال : صاحب لباب النقول في أسباب النزول ظاهر ذلك الرواية أن الآية مدنية.
فصل : اختلف العلماء في وجوب الاستماع والإنصات على من هو خارج الصلاة يبلغه صوت من يقرأ القرآن في الصلاة أو خارجها ؟ قال : البيضاوي : عامة العلماء على استحبابها خارج الصلاة، وقال : ابن همام وفي كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع في الجهر بالقراءة مطلقا، قال : في الخلاصة رجل يكتب الفقه وبجنبه يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارئ وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل جهرا والناس نيام يأثم، وهذا صريح في إطلاق الوجوب ولأن العبرة لعموم اللفظ دون خصوص السبب، قلت : وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقرأ القرآن بالليل جهرا بحيث يسمع من وراء حجرته وربما يسمعه الجيران، روى الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أم هاني قالت كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالليل وأنا على عريشي (٦) قال : البغوي : في شرح السنة العريش السقف سميت بيوت مكة عروشا لأنها عيدان ينصب ويظلل، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس، قال : كان قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قدر ما يسمعه من في الحجرة وهو في البيت (٧)، وروي الطحاوي بلفظ كان يصلي بالليل فيسمع قراءته من وراء الحجرة وهو في البيت وقد كانت في بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم نساؤه وربما كانت إحداهن نائمة وهو يصلي، ، روى البخاري في الصحيح عن عائشة قال :( كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتها قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح )(٨)، وكان أصحاب رسول صلى الله عليه وآله وسلم يقرءون القرآن بالليل والنهار ورافعي أصواتهم من غير نكير، روي مسلم عن أبي موسى الأشعري أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : له لقد رأيتني وأنا أسمع لقراءتك البارحة (٩)، وفي الصحيحين عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين حين يرحلون وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار )(١٠) ولا شك أن بعض الناس في العسكر كانوا نياما وقت قراءة الأشعريين وروى بن أبي داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سمع ضجة ناس في المسجد يقرءون القرآن فقال طوبى لهؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذه الأحاديث تدل على فساد ما أفتى به صاحب الخلاصة وأخرج ابن مروديه في تفسيره قال : ثنا أبو أسامة عن سفيان عن أبي المقدام هشام بن زيد عن معاوية ابن قرة قال : سألت بعض مشايخنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في نسخ الكلام في الصلاة (٤٠٢)..
٣ خرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: فضل فاتحة الكتاب(٤٤٧٤)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: المساجد وموضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (٥٣٧)..
٥ سورة المزمل، الآية: ٢٠..
٦ أخرجه النسائي في كتاب: الافتتاح باب: رفع صوت في القرآن (١٠٠٧) وأخرجه ابن ماجة في كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل (١٣٤٩)..
٧ أخرجه أبو داود في كتاب، الصلاة، باب: رفع صوت بالقراءة في الصلاة ليلا (١٣٢٥).
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الفرشة (٣٧٥) وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة: باب: الاعتراض بين يدي المصلي(٥١٢)..
٩ أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب تحسين الصوت بالقرآن (٧٩٣)..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر (٣٩٠٦) أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل الأشعريين رضي الله عنهما (٢٤٩٩)..
التفسير المظهري
المظهري