وقوله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ٢٠٤ [ الأعراف : آية ٢٠٤ ] قال بعض العلماء : كان كفار مكة لا ينصتون للقرآن ولا يستمعون له، ولا يرضون أحدا أن يسمعه، بل يخلطوا فيه بالأصوات والتصدية والمكاء من تصفيق وتصفير، ويأتون بالغلط واللغو ليمنعوا الناس من سماعه وتدبره كما نص الله على ذلك عنهم في قوله : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ٢٦ [ فصلت : آية ٢٦ ] فأمر الله المؤمنين أن ينصتوا له ويستمعوا.
قال بعض العلماء : هو أمر للكافرين أن يكفوا عما يفعلون في قولهم : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وقد أجرى الله العادة أن الكفرة يكرهون كل الكراهة سماع كلام رب العالمين – والعياذ بالله - هذا أول الأنبياء الذين أرسلوا لأهل الأرض بعد أن كفروا، نوح ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ) فانظروا كيف يكره قومه سماع كلامه ؛ لأنه يقول عنهم : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذناهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ٧ [ نوح : آية ٧ ] كراهة أن يسمعوا الحق الذي يقوله لهم ذلك النبي الكريم. وهؤلاء الذين بعث فيهم خاتم الرسل ( صلوات الله وسلامه عليه ) يقولون : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون [ فصلت : آية ٢٦ ] فقد بين – جل وعلا - في أخريات سورة الحج شدة كراهتهم لتلاوة القرآن عليهم : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آيتانا [ الحج : آية ٧٢ ] أي : لشدة كراهتهم وبغضهم لتلاوتها ؛ ولذا قال هنا : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له .
وكثير من علماء السلف يقولون : هذه في الصلاة خاصة إذا كان الإمام يقرأ صلاة جهرية، فإذا قرأ الإمام قراءة جهرية فعلى المأمومين أن يستمعوا وينصتوا. وكان بعض العلماء من هذا المعنى يقول : ليس على المأموم قراءة ؛ لأن قراءة الإمام تكفيه في الجهرية. وبعضهم يقول : تكفيه مطلقا، وفي الحديث الصحيح :( إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا ) فجماعات كثيرة من علماء السلف يقولون : هي في الصلاة إذا كان الإمام يقرأ جهرا. إذا قرأ الإمام القرآن في الصلاة فاستمعوا له وأنصتوا الاستماع : هو أن تتفهم هذا الذي يقال حتى تفهم معانيه، والإنصات : هو السكوت وترك الكلام لأجل استماع الكلام. هذا معنى : فاستمعوا له وأنصتوا .
وكان بعض العلماء يقول : هي في خطبة الجمعة.
وبعضهم يقول : هي في الفطر، والأضحى، وخطبة الجمعة، وكل ما يجهر فيه الإمام.
وكونها في خطبة الجمعة وإن قال به جماعة كثيرة من السلف فإنه لا يخلو من بعد لمسائل منها : أن القرآن غير كثير فيها. ومنها : أن الجمعة ما شرعت إلا بالمدينة، وهذه الآيات من سورة الأعراف مكية ؛ لأن سورة الأعراف من القرآن النازل قبل الهجرة كما هو معلوم.
وهنا كان خلاف بين العلماء : هل إذا قرأ الإمام يسكت المأموم ويكتفي بقراءة الإمام، أو لابد أن يقرأ الفاتحة ؟ في هذا خلاف مشهور بين العلماء. فبعض العلماء يقول : أما في الجهرية فإن المأموم يسكت ؛ لأن الله أمره في قوله : فاستمعوا له وأنصتوا والله يقول : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ النور : آية ٦٣ ].
ومن العلماء من لا يرى الفاتحة واجبة على المأموم ؛ لأن الإمام يحملها عنه. وهذا مذهب مالك، وروي عن أبي حنيفة مثله، وقال بعض العلماء. قالوا : دل القرآن على أن الذي يسمع ويؤمن أنه كالذي كان يتكلم. قالوا : والدليل على ذلك أن الله قال في محكم كتابه : وإذ قال موسى موسى وحده لم يكن معه هارون ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك وفي القراءة الأخرى : ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ثم قال : قال قد أجيبت دعواتكما [ يونس : الآيتان ٨٨، ٨٩ ] قالوا : كيف الداعي واحدا – وهو موسى- وتكون الدعوة المجابة من اثنين ؟ ! قالوا : لأن هارون كان ينصت لدعاء موسى ويؤمن عليه، فصار أحد الداعيين لإنصاته وتأمينه، فدل ذلك على أن المنصت المؤمن كالذي كان يقرأ. هذا قال به جماعة من العلماء.
وقالت طائفة أخرى : ينبغي للمأموم أن لا يترك قراءة الفاتحة، فلو سكت الإمام وأعطاه الفرصة بالسكوت لبادر أن يقرأ الفاتحة في سكتة الإمام، وإن لم يعطه فترة في ذلك قرأها. قالوا : نعم وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له هذا نص عام في قراءة القرآن، إلا أن قوله صلى الله عليه وسلم :( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب ) أخص منه، فهو تخصيص عموم القرآن بحديث نبوي، فتخصيصات عمومات القرآن بالأحاديث كثيرة جدا. وقد روي حديث في خصوصه أنه يقرأ وراء الإمام في الجهرية. فإن كان ثابتا محفوظا فلا كلام.
وعلى كل حال فقوم من العلماء منعوا القراءة في حال جهر الإمام، وقوم أوجبوا قراءة الفاتحة خصوصا. والأحوط في هذا ألا يترك الفاتحة ؛ لأن الصلاة دعيمة عظيمة من دعائم الإسلام، وهي أعظمها بعد الشهادتين، فلا ينبغي للإنسان أن يفعل صلاة يقول بعض الناس : إنها غير مجزئة، فينبغي أن يعمل عملا يتفق الناس فيه على أن صلاته مجزئة، والله تعالى أعلم. وهذا معنى قوله : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا .
الاستماع : هو التدبر في الشيء والإصغاء إليه، الإصغاء إلى الشيء بتدبر.
والإنصات : هو السكوت وترك الكلام ؛ لأجل سماع ما يقال. هذا معنى قوله : فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون [ الأعراف : آية ٢٠٤ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير