وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون الاستكبار عن الآيات هو رفض قبولها كبرا وعنادا لمن جاء بها أن يكون إماما متبوعا للمستكبرين لأنهم يرون أنفسهم فوقه أو أقوامهم فوق قومه أو يحبون أن يروا الناس ويوهموهم ذلك، فرؤساء قريش المستكبرون منهم من كان يرى من الضعة والمهانة أن يكون مرءوسا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم أكثر منه مالا وأعز نفرا أو أكبر سنا، فيرون أنهم أحق بالرياسة وكان من هؤلاء بعض عشيرته بني هاشم ومنهم من كان يستكبر أن يتبع رجلا من بني هاشم كأبي جهل وأبي سفيان وآخرين مات بعضهم على الكفر ودان بعضهم بالإسلام بعد ظهوره. ولم يكن في غير قريش من العرب من يستكبر أن يتبع رجلا منهم إلا بالتبع لعدم اتباعهم هم هل، ولكن أحبار اليهود استكبروا عن اتباعه لأنه عربي وهم يرون أن النبوة يجب حصرها فيهم كما تقدم في سورة البقرة. وكذلك أمراء المجوس ورؤساء دينهم إذ كانوا يحتقرون العرب كافة إلا من هدى الله من الفريقين. ولا يزال بعض الشعوب يأبى الاهتداء بالإسلام استكبارا عن اتباع أهله. بل نرى بعض غلاة العصبية الجنسية المرتدين عن الإسلام من الترك كذلك حتى نقلت صحف الأخبار عن بعضهم أنه قال : إن قومه يستنكفون أن يتسفلوا لاتباع الخلفاء الراشدين، بل قال ما هو أكبر من ذلك إثما.
والمعنى أن الذين كذبوا بآياتنا المنزلة على أحد من رسلنا واستكبروا عن اتباع من جاء بها حسدا له على الرياسة وتفضيلا لأنفسهم عليه أو لقولهم على قومه فأولئك أصحاب النار الذين يخلدون فيها، لا كالذين يعذبون فيها زمنا معينا على ذنوب اقترفوها.
وجملة القول في هاتين الآيتين أن جميع الرسل قد بلغوا أممهم أن اتباعهم في اتقاء ما يفسد فطرتهم من الشرك وخرافاته والرذائل والمعاصي، وفي إصلاح أعمالهم بالطاعات يترتب عليه الأمن من الخوف من كل ما يتوقع والحزن على كل ما يقع إما مطلقا وإما بالنسبة إلى غير المؤمنين المتقين، وأن تكذيب ما جاءوا به من آيات الله والاستكبار عن اتباعها يترتب عليه الخلود في النار فوق ما بين في آيات أخرى من سوء الحال في الدنيا، وقد سكت عن الجزاء الدنيوي هنا لأن الآية الأولى تدل عليه ولأنه لا يظهر للناس في كل وقت.
تفسير المنار
رشيد رضا