ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

[ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين ( ٥٠ ) الذين اتخذوا دينهم لعبا وغرتهم الحياة الدنيا ]( الأعراف : آية ٥٠ ) بين ( جل وعلا ) في هذه الآية الكريمة أن الكفار في دركات النار- والعياذ بالله- إذا أحرقتهم النار وأضر بهم الجوع الشديد والعطش مع إحراق النار سألوا أهل الجنة، وفي قصتهم أنهم يقولون لله : إن لنا قرابات في الجنة فأذن لنا أن نراهم ونقابلهم ونكلمهم، وأنهم إذا قابلوهم يدعو الواحد أخاه، والواحد أباه، والواحد يدعو ابن عمه ؛ لأن – والعياذ بالله- يكون أخوان أحدهما في الجنة، والثاني في النار، ويكون أخوان، الابن في الجنة، والأب في النار والعكس، فيقولون- لهم يستغيثون بقراباتهم- إنهم في إحراق وجوع وعطش، ويطلبون منهم أن يفيضوا عليهم من الماء ليتبردوا من شدة الحريق الذي هم فيه وشدة العطش، فيجيبوهم : بأن الله حرم ما في الجنة على الكفار- أعاذنا الله من الكفر- وهذا معنى قوله :[ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء ]( الأعراف : آية ٥٠ ) ( أن ) هي كالمذكورات قبلها في القولين الذين بينا.
[ أفيضوا علينا من الماء ] إفاضة الماء : صبه بكثرة وسعة.
[ أو مما رزقكم الله ]( الأعراف : آية ٥٠ ) ( أو ) هنا مانعة خلو مجوزة جمع، يجوز أن يكون الماء وحده، أو ما رزقهم الله، أو الجميع.
[ أو مما رزقكم الله ] بعضهم يقول : مما رزقكم الله من الأنواع التي تشبه الماء كالألبان وكالخمر ؛ لأن الإفاضة يظنون أنها تختص بالسائلات، وعلى هذا قدروا في قوله :[ أو مما رزقكم الله ] أو ألقوا إلينا مما رزقكم الله. وهذا وإن كان سائغا في اللغة العربية- أن يحذف فعل يدل ( عليه )( في الأصل :" على " ) المقام، وهذا موجود كثيرا في اللغة العربية- إلا أنه لا يحتاج إليه في هذه الآية الكريمة، وهو معروف في كلام العرب، كقول الراجز :
علفتها تبنا وماء باردا *** حتى شتت همالة عيناها
لأن الماء البارد لا يعلف. يعني : علفتها تبنا وسقيتها ماء، ومنه قول الآخر :
إذا ما الغانيات برزن يوما *** وزججن الحواجب والعيونا
لأن العيون لا تزجج. والمعنى : وأكحلن العيون. وقول الآخر :
ورأيت زوجك في الوغى *** متقلدا سيفا ورمحا
لأن الرمح لا يتقلد. أي : وحاملا رمحا. وهذا كثير في المنصوبات. ومن أمثلته في المرفوعات قوله جل وعلا- على أحد التفسيرين- [ يصهر به ما في بطونهم والجلود( ٢٠ ) ] لأن الجلود لا تصهر. أي : لا تذاب. معناه : وتحرق الجلود. ونظيره في المرفوعات من كلام العرب قول لبيد بن ربيعة في معلقته :
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت *** بالجلهتين ظباؤها ونعامها
لأن النعام لا يطفل، وإنما هو يبيض حتى بعد ذلك ينفلق البيض عن الأطفال. هكذا قال بعضهم، والتحقيق أن إفاضة الشيء بكثرة قد يكون في المائعات وغير المائعات، وقد أطلقه الله على الآدميين المفيضين من عرفات وهم ليسوا من المائعات، كما قال :[ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ]( البقرة : آية ١٩٩ ) [ فإذا أفضتم من عرفات ] ( البقرة : آية ١٩٨ ) والعرب تقول :" أفاض علينا من طعامه، وأفاض علينا من رزقه ". إذا أكثر، كما هو معروف. فلا حاجة إلى هذا التقدير الذي ذهب إليه كثير من المفسرين.
[ أو مما رزقكم الله ] من مآكل الجنة ومشاربها، يطلبونهم ويستجدونهم. قال بعض العلماء : يسألون مع اليأس. وقال بعضهم : لهم طمع لشدة ما هم فيه. فأجابهم المؤمنون في الجنة، فقالوا :[ إن الله حرمهما ] أي : الشيئين اللذين ( سألتم )( في الأصل : " سألتما " )، وهما : الماء وما رزقنا الله من نعيمه غير الماء.
[ حرمهما على الكافرين ]( الأعراف : آية ٥٠ ) والتحريم هنا تحريم كوني قدري، أي : منعهما من الكافرين ؛ لأن التحريم يطلق في القرآن وفي لغة العرب على التحريم الشرعي، وعلى التحريم بمعنى المنع. وليس المراد هنا أنهما شرعا محرمات، ولكنه تحريم قدري، وأن الله منع منهما الكافرين منعا باتا بقدره وقضائه، ونظيره من التحريم بالمعنى القدري لا بالمعنى الشرعي قوله :[ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ]( المائدة : آية ٢٦ )وقوله جل وعلا :[ وحرمنا عليه المراضع ]( القصص : آية ١٢ ) لأن الرضيع لا يؤاخذ بالتحريم الشرعي حتى يكون عليه حرام أو حلال. والمعنى : منعناه منهما. [ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون( ٩٥ ) ]( الأنبياء : آية ٩٥ ) هو من التحريم بمعنى المنع كونا وقدرا. والتحريم بمعنى المنع معروف في كلام العرب، مشهور في لغتهم التي نزل بها القرآن، ومنه قول الشاعر :
حرام على عيني أن تطعم الكرى *** وأن ترقأ حتى ألاقيك يا هند
فمعنى " حرام على عيني أن تطعم الكرى " : ممنوعتان من ذوق النعاس والنوم. ونظيره قول امرئ القيس لفرسه :
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري *** إني امرؤ صرعي عليك حرام
أي : لا تقدرين عليه. فمعنى :[ إن الله حرمهما على الكافرين ]حكم بمنعهم منهما حكما باتا، كما قال ( جل وعلا ) عن عيسى بن مريم :[ إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ]( المائدة : آية ٧٢ ) وكذلك الكفار كما أن الجنة حرام عليهم فما فيها من الماء والرزق والنعيم حرام عليهم لا يذوقونه أبدا. وهذا معنى قوله :[ إن الله حرمهما على الكافرين ]

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير