فأوحي إلى هود في ذلك الوقت أن القول حق عليهم، وان العذاب وجب عليهم، وان الله قضى أمره فيهم فقال –بسبب ذلك- هود :[ قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ]( الأعراف : آية ٧١ ) جزم بأنه وقع عليهم بالفعل ؛ لأن ( المتوقع كالواقع ) ( في الأصل :" الواقع كالمتوقع ". وهو سبق لسان ) ؛ لأن الله حكم به. ومن أساليب اللغة العربية : إطلاق الفعل الماضي مرادا به المستقبل إيذانا بتحقق الوقوع، وهو كثير في القرآن العظيم جدا وفي كلام العرب، ومنه في القرآن :[ أتى أمر الله ]يعني القيامة، بدليل :[ فلا تستعجلوه ]( النحل : آية ١ ) وأكثر الله منه في سورة الزمر حيث قال :[ وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجىء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ] إلى قوله :[ وسيق الذين اتقوا ربهم ]( الزمر : الآيات٦٩-٧٣ ) كل هذه الأفعال الماضية المذكورة في الزمر معناها : الاستقبال، وإنما عبر عنها بالماضي إيذانا بتحقق الوقوع.
والرجز هنا : العذاب. قال بعض العلماء : أصله من الارتجاز، وهو الاضطراب ؛ لأن المعذب يبقى في الاضطراب. وهو ( رجس ) بالسين هنا. [ رجس ] أي : عذاب. وربما يقال للرجس :( رجز ) بالسين والزاي. ومعناه : العذاب. والمعنى : وقع عليكم عذاب وغضب كائن من ربكم فمعناه أن الله غضب عليكم، وأنه معذبكم عذابا مستأصلا لا محالة.
والغضب وصف وصف الله به نفسه إذا انتهكت حرماته. فنحن معاشر المسلمين نمشي على ما كان عليه السلف الصالح نمر كل الصفات كما جاءت، ونصدق ربنا فيما وصف به نفسه مع التنزيه التام الكامل عن مشابهة صفات المخلوقين، على نحو :[ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ]( الشورى : آية ١١ ) كما أوضحناه في آية :[ ثم استوى على العرش ]( الأعراف : آية ٥٤ ).
ثم قال لهم نبي الله هود :[ أتجادلونني ] معناه : تخاصمونني وتنازعونني [ في أسماء سميتموها ] أنا ادعوكم إلى عبادة الواحد الجبار، خالق السماوات والأرض الذي هو يرزقكم ويميتكم ويحييكم، وأنتم تخاصمونني وتجادلونني لتعبدوا أسماء بلا مسميات، لا حقيقة لها، لا تنفع ولا تضر، فهذا أمر جدير بأن ينكر.
والمجادلة : المخاصمة. قال بعض العلماء : أصل اشتقاقها من ( الجدالة )، والجدالة : الأرض، وجدله : إذا تركه صريعا في الأرض. قالوا : كان المتضاربين في الخصام كل منهما يريد أن يسقط صاحبه حتى يجدله. هكذا قال بعضهم والله أعلم.
[ أتجادلونني في أسماء ] أي : في أصنامكم، وإنما هي أسماء بلا مسميات ؛ لأنكم تزعمون أنها آلهة، وأنها معبودات ! ! ومعنى الإلهية واستحقاق العبادة منفي عنها نفيا باتا، فهي اسم بلا مسمى ؛ شيء اختلقته ألسنتكم لا حقيقة له في نفس الأمر. تجادلونني فيها زاعمين أنها لا بد أن تعبد مع الله، وأنها شركاء له يصرف لها من الحقوق كما يصرف له.
[ سميتمومها انتم وآباؤكم ] هم الذين اخترقوا لها هذه الاسماء بلا مسميات، إذ الاسماء التي وضعتم لها ليس لها أساس من الحقيقة ولا من الصحة. فليست بآلهة ألبتة، وليست بمستحقة للعبادة ألبتة، كما صرح الله بذلك في قوله :[ وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ]( يونس : آية ٦٦ ) يعني : هؤلاء الذين يتبعونهم ليسوا شركاء ألبتة في الحقيقة.
ثم قال :[ ما نزل الله بها من سلطان ] لأن هذه الآلهة التي تعبدون[ ما نزل الله بها ] أي : بعبادتها واستحقاقها للعبادة [ من سلطان ] أي : حجة واضحة أبدا، بل الذي نزله الله من الحجج القاطعة منع عبادتها، وكفر عابدها، وخلوده في النار.
ثم قال :[ فانتظروا إني معكم من المنتظرين ] انتظروا ماذا يحدث عليكم من الله وهو الغضب والهلاك الذي وعدتكم به أنه وجب وحق عليكم.
[ إني معكم من المنتظرين ] وسوف تعلمون عن طريق ذلك الانتظار هل يقع عليكم ما وعدتكم به أو لا يقع. وهو تهديد عظيم.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير