ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

مجيبين عن تلك النصائح العظيمة أَجِئْتَنا يا هود لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ أي لنخصه بالعبادة وَنَذَرَ أي نترك ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أي بما تهددنا من العذاب بقولك أفلا تتقون إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) في إخبارك بنزول العذاب وغرضهم بذلك القول إذا لم يأتهم هود بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذبا
قالَ أي هود: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ أي رين على قلوبهم عقوبة منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر وَغَضَبٌ أي عذاب أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ عارية عن المسمى سَمَّيْتُمُوها أي سميتم بها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أصناما فإنهم سموا الأصنام بالآلهة مع إن معنى الألوهية فيها معدوم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها أي بعبادتها مِنْ سُلْطانٍ أي برهان لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل وأن الأصنام لو استحقت العبادة كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو نصب دليل وقوله تعالى: ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة فَانْتَظِرُوا ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام وهو ما تطلبونه بقولكم فأتنا بما تعدنا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) لما يحل بكم فَأَنْجَيْناهُ أي هودا وَالَّذِينَ مَعَهُ في الدين بِرَحْمَةٍ عظيمة مِنَّا أي من جهتنا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي استأصلنا الذين كذبوا برسولنا هود وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) أي ما أبقينا أحدا من الذين لا يؤمنون فلو علم الله أنهم سيؤمنون لأبقاهم. وقصتهم أن عادا قوم كانوا باليمن بالأحقاف، وكانوا قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان إلى حضرموت، وكانت لهم أصنام ثلاثة يعبدونها سموا أحدها صمودا، والآخر صداء. والآخر هباء، فبعث الله تعالى إليهم هودا وكان من أفضلهم حسبا فكذبوه فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا وكان الناس إذ نزل بهم بلاء طلبوا من الله الفرج عند البيت الحرام، وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام، وسيدهم معاوية بن بكر، فلما توجهوا إلى البيت الحرام وهم سبعون رجلا من أماثلهم منهم: قيل بن عنز، ومرثد بن سعد نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا عن الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم قينتا معاوية اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة، فلما رأى معاوية ذهولهم باللهو عمّا قدموا له أحزنه ذلك وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري، واستحى أن يكلمهم خشية أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله وهو قول هؤلاء الثلاثة:

صفحة رقم 380

ومعنى فهينم أي أخف الدعاء والغمام هنا المطر فلما غنتا به أزعجهم ذلك وقالوا: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم.
فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله تعالى سقاكم وأظهر إسلامه فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا. ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم أسق عادا ما كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك، فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء، فخرجت على عاد من واد لهم يسمى وادي المغيث، فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم وهي باردة ذات صوت شديد لا مطر فيها، وكان ابتداء مجيئها في صبيحة الأربعاء في الحادي والعشرين من شوال في آخر الشتاء وسخرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فعبدوا الله فيها إلى أن ماتوا.
وروي عن علي رضي الله عنه أن قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر.
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ أي وأرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب لا في الدين صالِحاً وثمود قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن غابر بن ارم بن سام بن نوح. وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى واد القرى قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ أي شاهدة بنبوتي وهي الناقة مِنْ رَبِّكُمْ خلقها بلا واسطة هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً أي علامة على رسالة الله وإضافة الناقة إلى الله لتعظيمها وتخصيصها كما يقال: بيت الله أو لأنها لا مالك لها غير الله، أو لأنها حجة الله على القوم. ووجه كونها آية لخروجها من الجبل لا من ذكر وأنثى ولكمال خلقتها من غير تدريج «وناقة الله» عطف بيان لهذه أو مبتدأ ثان و «لكم» خبر عامل في آية في نصبها على الحال. ويجوز أن يكون عامل الحال معنى التنبيه، أو معنى الإشارة. وجملة قوله: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آية في محل رفع بدل من قوله بينة لأنها مفسرة له وجاز إبدال جملة من مفرد لأنها في معناه فَذَرُوها أي فاتركوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ في الحجر أي الناقة ناقة الله والأرض أرض الله فاتركوها تأكل من إنباتكم وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ أي ولا تضربوها ولا تقربوا منها شيئا من أنواع الأذى إكراما لآية الله تعالى فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أي بسبب أذاها وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ أي فلما أهلك الله عادا عمر ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعمارا أطوالا وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي أنزلكم في أرض الحجر بين الحجاز والشام تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً أي تبنون من سهولة الأرض قصورا بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر للصيف وسميت

صفحة رقم 381

القصور بذلك لقصور الفقراء عن تحصيلها وحبسهم عن نيلها وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً أي وتنقبون في الجبال بيوتا للشتاء وذلك لطول أعمارهم فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم فكان عمر واحد منهم ثلاثمائة سنة إلى سنة كقوم هود فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي نعمة الله عليكم بعقولكم فإنكم متنعمون مترفهون وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) أي ولا تعملوا في الأرض شيئا من أنواع الفساد قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أي قال الجماعة الذين تكبروا عن الإيمان بصالح للمساكين الذين آمنوا به. فقوله تعالى: لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل من الموصول بإعادة العامل بدل الكل وضمير «منهم» راجع «لقومه». أي قالوا للمؤمنين الذين استرذلوهم بطريق الاستهزاء بهم. أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ إليكم قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) أي نحن مصدقون بما جاء به صالح قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عن امتثال أمر ربهم وهو الذي أوصله الله إليهم على لسان صالح بقوله فذروها تأكل في أرض الله إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ أي قتلها قدار بن سالف بأمرهم في يوم الأربعاء فقال لهم صالح: إن آية العذاب أن تصبحوا غدا صفرا، ثم أن تصبحوا في يوم الجمعة حمرا، ثم أن تصبحوا يوم السبت سودا، ثم يصبحكم العذاب يوم الأحد وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي ارتفعوا فأبوا عن قبول أمر ربهم الذي أمرهم صالح وَقالُوا استهزاء يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا أي من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فإنهم كذبوا صالحا في قوله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الزلزلة الشديدة من الأرض والصيحة من السماء فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) أي فصاروا في بلدهم خامدين موتى لا يتحركون. والمراد كونهم كذلك عند ابتداء نزول العذاب من غير اضطراب ولا حركة.
روي أنه تعالى لما أهلك عادا قام ثمود مقامهم وطال عمرهم، وكثر تنعمهم، ثم عصوا الله وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا- وكان منهم- فطالبوه بالمعجزة فقال: ما تريدون؟
فقالوا: تخرج معنا في عيدنا، ونخرج أصناما فتسأل إلهك ونسأل أصنامنا فإذا ظهر أثر دعائك اتبعناك، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا فخرج معهم ودعوا أوثانهم فلم تجبهم، ثم قال سيدهم جندع بن عمرو لصالح عليه السلام وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لتلك الصخرة كائبة: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة كبيرة جوفاء وبراء فإن فعلت ذلك صدقناك، فأخذ صالح عليهم المواثيق أنه إن فعل ذلك آمنوا فقبلوا، فصلى ركعتين ودعا الله تعالى، فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل، ثم انفرجت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء، وكانت في غاية الكبر، ثم نتجت ولدا مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به فنهاهم ذؤاب بن عمرو والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر كاهنهم فمكثت الناقة مع

صفحة رقم 382

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا

تحقيق

محمد أمين الضناوي

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت
سنة النشر 1417
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية
ألا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عاد إن عادا قد أمسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما