تفسير سورة سورة قريش

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي

الهداية الى بلوغ النهاية

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (ت 437 هـ)

الناشر

مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة

الطبعة

الأولى

نبذة عن الكتاب

، واجتهدت في تلخيصه وبيانه واختياره، واختصاره، وتقصيت ذكر ما وصل إلي من مشهور تأويل الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في التفسير دون الشاذ على حسب مقدرتي، وما تذكرته في وقت تأليفي له. وذكرت المأثور من ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما وجدت إليه سبيلاً من روايتي أو ما صح عندي من رواية غيري، وأضربت عن الأسانيد ليخف حفظه على من أراده. جمعت فيه علوماً كثيرة، وفوائد عظيمة؛ من تفسير مأثور أو معنى مفسر، أو حكم مبين، أو ناسخ، أو منسوخ، أو شرح مشكل، أو بيان غريب، أو إظهار معنى خفي، مع غير ذلك من فنون علوم كتاب الله جل ذكره؛ من قراءة غريبة، أوإعراب غامض، أو اشتقاق مشكل، أو تصريف خفي، أو تعليل نادر، أو تصرف فعل مسموع مع ما يتعلق بذلك من أنواع علوم يكثر تعدادها ويطول ذكرها ... قدمت في أوله نبذاً من علل النحو وغامضاً من الإعراب، ثم خففت ذكر ذلك فيما بعد لئلا يطول الكتاب، ولأنني قد أفردت كتاباً مختصراً في شرح مشكل الإعراب خاصة، ولأن غرضي في هذا الكتاب إنما هو تفسير التلاوة، وبيان القصص والأخبار، وكشف مشكل المعاني، وذكر الاختلاف في ذلك، وتبيين الناسخ والمنسوخ وشرح وذكر الأسباب التي نزلت فيها الآي إن وجدت إلى ذكر ذلك سبيلاً من روايتي، أو ما صح عندي من رواية غيري. وترجمت عن معنى ما أشكل لفظه من أقاويل المتقدمين بلفظي ليقرب ذلك إلى فهم دارسيه، وربما ذكرت ألفاظهم بعينها ما لم يشكل»



مصادره:

يقول المصنف - رحمه الله:

«ما بلغ إلي من علم كتاب الله تعالى ذكره مما وقفت على فهمه ووصل إلي علمه من ألفاظ العلماء، ومذاكرات الفقهاء ومجالس القراء، ورواية الثقات من أهل النقل والروايات، ومباحثات أهل النظر والدراية .... جمعت أكثر هذا الكتاب من كتاب شيخنا أبي بكر الأدفوي رحمه الله وهو الكتاب المسمى بكتاب (الاستغناء) المشتمل على نحو ثلاثمائة جزء في علوم القرآن. اقتضيت في هذا الكتاب نوادره وغرائبه ومكنون علومه مع ما أضفت إلى ذلك من الكتاب الجامع في تفسير القرآن، تأليف أبي جعفر الطبري وما تخيرته من كتب أبي جعفر النحاس، وكتاب أبي إسحاق الزجاج، وتفسير ابن عباس، وابن سلام، ومن كتاب الفراء، ومن غير ذلك من الكتب في علوم القرآن والتفسير والمعاني والغرائب والمشكل. انتخبته من نحو ألف جزء أو أكثر مؤلفة من علوم القرآن مشهورة مروية».



وقد طبعته مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة وروعي في طباعته وضع الآيات الكريمة بالرسم العثماني برواية ورش. وباللون الاحمر، لأن الإمام قد راعى هذه الرواي في تفسيره. وصدر في (13) مجلداً بطباعة فاخرة.


مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة قريش( ١ ). مكية( ٢ ).
١ كذا في المحرر: ١٦/٣٦٨ وزاد المسير: ٩/٢٣٨ وغيرهما، والذي عند البخاري في كتاب التفسير "سورة ﴿لإيلاف قريش﴾" انظر: الفتح: ٨/٧٣٠..
٢ في قول الأكثرين في تفسير الماوردي: ٤/٥٢٣ وقول الجمهور في البحر: ٨/٥١٣. وذكر الماوردي عن الضحاك أنها مدينة، وهو قول ابن السائب في البحر..

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة قريش
مكية
قوله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ﴾ إلى آخرها.
قال الأخفش: اللام متعلقة بمعنى سورة ألم تر يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل لتألف قريش.
وقيل: التقدير: فعلنا بأصحاب الفيل هذا [منا] على أهل البيت وإحساناً إليهم إلى نعمتنا عليهم في رحلتهم الشتاء والصيف، (فتكون اللام في ﴿لإِيلاَفِ﴾ بمعنى " إلى ".
وقيل: التقدير: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف)، وتركهم عبادة رب هذا البيت. وهذا مذهب الفراء.
— 8451 —
وقال الخليل بن أحمد: المعنى: لن يؤلف الله قريشاً [إيلافاً] ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾ أي: لهذا فليعبدوه فلا تقدير، حذف في هذا القول.
وعن ابن عباس أنه قال في تفسير ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ معناه: نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. قال: كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف.
وقوله: ﴿إِيلاَفِهِمْ﴾، [بدل] من الأول.
وقرأ يزيد بن القعقاع/ " إلفهم " جعله مصدر " ألفه إلفاً ". وكذلك ذكرت أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ.
وعن أبي أنه قرأ: [" إلافهم "]، وهما مصدران للثلاثي على فِعْل وفِعال،
— 8452 —
ومثله علم علماً، ولقيه لقاء، وصمت صياماً، وكتبت كتاباً.
وأجاز الفراء " إيلافَهم " بالنصب على المصدر.
وروي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ " لإئلفِ " بهمزتين مكسورة وساكنة، " إئْلفم " كذلك [أيضاً]، أتى بهما على الأصل، وهو بعيد لا يجوز عند كثير من النحويين، وهي لغة شاذة، وهما مصدران لاَلَفَ يُؤلِفُ.
وقد قرأ [ابن عامر] " لإلف "، جعله مصدر ألِفَ إلافاً، مثل: كتب كتاباً، وصام صياماً.
وقوله: ﴿رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ منصوب " بإيلاف ".
وأجاز الفراء الخفض في ﴿رِحْلَةَ﴾ على البدل من ﴿إِيلاَفِهِمْ﴾.
[وتقديره]: إيلافِهم إيلافَ رحلةِ.
— 8453 —
قال مجاهد في معنى ﴿إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾ [معناه]: " إيلافهم ذلك، فلا تشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف ".
وقال ابن عباس ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾، أي: " نعمتي على قريش ". وقيل: معناه أن الله عجب نبيه من ذلك، فالمعنى: اعجَب - يا محمد - لنعم الله على قريش في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، ثم يتشاغلون بذلك عن الإيمان بالله واتباعك.
ودل على هذا المعنى قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾.
قال ابن زيد: معناه: صنعت بأصحاب الفيل ما صنعت لإلفة قريش، أي: لئلا أفرقها، وهذا (هو) قول الأخفش المتقدم. وقال ابن عباس: ﴿إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف﴾، أي: " لزومهم ". وعنه أيضاً (أنه قال): [نهاهم] الله عن الرحلة وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيْت وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في
— 8454 —
الشتاء والصيف. فلم تكن لهم رحلة (في) شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله جل وعز [بعد ذلك] من جوع وآمنهم من خوف، [فألفوا] الرحلة، فكانوا إذا شاؤوا [ارتحلوا] وإذا شاؤوا أقاموا.
فكان ذلك من نعمة الله عليهم.
قال عكرمة: كانت قريش قد ألفوا بصرى واليمن، يختلفون إلى هذا في الشتاء، وإلى هذه في الصيف، قال: فقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ رب هذا البيت، أمرهم أن يقيموا [بمكة].
قال الضحاك: كانوا ألفوا الارتحال في الغيظ والشتاء: إلى الشام في الغيظ، وإلى اليمن في الشتا. وهذا قول ابن زيد أيضاً.
وقال ابن عباس: " كانوا يشتون بمكة، [ويصيفون] بالطائف ".
— 8455 —
وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت﴾.
قيل: معناه: فليقيموا بمواضعهم ووَطَنهم، فليعبدوا رب هذا البيت وهو الكعبة.
وقيل: معناه أنهم أمرو أن يألفوا عبادة رب مكة كإلفهم الرحتلين، وهو قول عكرمة.
وقوله: ﴿الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ يعني قريش.
قال ابن عباس: أطعم قريشاً بدعوة إبراهيم عليه السلام (حيث قال): ﴿وارزقهم مِّنَ الثمرات﴾ [ابراهيم: ٣٧].
وقوله: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ أي: وآمنهم مما يخاف غيرهم من العرب من [الغارات] والحروب والقتال، فلا يخافون ذلك في الحرم.
وقال ابن عباس: آمنهم من خوف بدعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: ١٢٦].
— 8456 —
قال مجاهد: " آمنهم من كل عدو في حرمهم ".
قال قتادة: كان أهل مكة تجاراً يعتادون ذلك شتاء وصيفاً آمنين من العرب، وكانت العرب يغير بعضهم على بعض لا يقدرون على التجارة ولا يستطيعونها من الخوف حتى إن كان الرجل من أهل الحرم ليُصاب في حي من أحياء العرب، فإذا قيل حَزمي خُلّيَ عنه وعن ماله تعظيماً لذلك.
قال: وكانوا يقولون: نحن من [حرم] الله، فلا يعرض لهم أحد في حرم الله جل وعز وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج إغير عليه، وهو معنى قول ابن زيد.
وقال الضحاك ومجاهد: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ أي: من الجذام.
وقاله ابن عباس، ولذلك [لا ترى] بمكة ذا جُذَام البتّة.
— 8457 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

1 مقطع من التفسير