تفسير سورة سورة الأحزاب
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي
تفسير ابن عرفة
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي (ت 803 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 2008 م
عدد الأجزاء
4
المحقق
جلال الأسيوطي
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾
قال ابن عرفة: قالوا: أكثر ما وقع في القرآن مخاطبته بصفاته فيقال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، وكذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ)، وما وقع التعبير عنه باسم العلم إلا في نحو خمس آيات، وهو قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)، وقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)، وقوله تعالى: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)، وقوله سبحانه وتعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)، وقوله عز وجل (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، قال: وسبب ذلك أن هذه الصفات ذكرت على سبيل المدح والتشريف، فلذلك كثر ذكرها، والتصريح باسمه العلم إنما هو يميزه عن غيره فقط.
قوله تعالى: (اتَّقِ اللَّهَ).
إن قلت: ما فائدة أمره بالتقوى مع أنه تحصيل الحاصل، قلنا: متعلق الأمر بالشيء لمن هو متصف به، إن كان متعلقه مقولا بالتشكيك ففائدته الترقي في أجزائه، والاتصاف بإعلام، وإن لم يكن كذلك ففائدته الدوام عليها.
قوله تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ).
قال ابن عرفة: فائدته عندي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخفض جناحيه لهم، فيوافقهم على فعل ما يصل به إلى غاية ما يباح له [فعله*] شرعا استيلافا لهم وحرصا على إيمانهم، فقيل له لَا تفعل هذا، فإِن ذلك يندرج بهم إلى طمعهم فيك، وتعلق آمالهم لطلبهم منك ما لَا يباح لك فعله شرعا، وهذا كما يطلبه منك عبدك درهما، فإن سعفته به يتجاسر عليك، ويطلب منك دينارا.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
قال الزمخشري: لو كان قلبان لكان تاما أن يفيده أحدهما من العلم، ما أفاده الآخر أو غيره، فالأول: تحصيل الحاصل، والثاني: يلزم عليه اجتماع النقيضين.
قال ابن عرفة: هذا على أن أصله أن الصفة إذا قامت بحدث أوجبت الحكم لجميع الذوات، وهو مردود بحاستي السمع والبصر واليدين، فإنه يسمع بالأذن مثل ما
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: (فِي جَوْفِهِ).
قال الزمخشري: فائدته زيادة التصور المدلول عليه، لأنه إذا سمع به صور [لنفسه*] جوفا يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار، وأجاب الزمخشري في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ).
قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ).
قال الزمخشري: إن قلت: ما معنى قولهم: أنت عليَّ كظهر أمي فكنوا عن البطن بالظهر؛ لأنه عمود البطن، ومنه حديث عمر، قلت: هو حديث ذكره ابن أنس عنه في كتاب التجارة بأرض الحرب، قال عن عمر: [لاَ حُكْرَةَ فِي سُوقِنَا، لاَ يَعْمِدُ رِجَالٌ بِأَيْدِيهِمْ فُضُولٌ مِنْ أَذْهَابٍ إِلَى رِزْقٍ مِنْ رِزْقِ اللهِ نَزَلَ بِسَاحَتِنَا، فَيَحْتَكرونَهُ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ أَيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِه كَبِدِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَذَلِكَ ضَيْفُ عُمَرَ، فَلْيَبِعْ كَيْفَ شَاءَ اللَّهُ، وَلْيُمْسِكْ كَيْفَ شَاءَ*]، فأباح ذلك عمر للجالب والزراع.
قوله تعالى: (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ) أي قول باللسان دون اعتقاد القلب.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ).
وإنما يقال: قال الله الحق، ورد عليه النواوي رحمه الله بهذه الآية.
قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
قالوا سببها ما أخرجه البخاري ومسلم من أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى، عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟»، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ، قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ*]. وعلق الحكم هنا بالنبي، وهو أعم من الرسول ليدل على تناوله للرسول من باب أحرى.
فيه حجة لأبي حنيفة رضي الله عنه، القائل إنهم أولى بالإرث عن بيت المال.
قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا).
قال ابن عطية: قيل: استثناء متصل، وقيل: منفصل، وقال الزمخشري: إنه استثناء من أعم العام.
قال ابن عرفة: تقريره أن العام هم المؤمنون والوصية؛ لأن العام في الأشخاص والأزمنة أولا، والمشهور أنه مطلق فيها، واستثنى من أحوال تلك الأشخاص الوصية، فهو استثناء متصل، وتقدم لابن التلمساني شارح المعالم أن الاستثناء قسمان يصدق على إخراج ما لولاه الموجب دخوله على إخراج ما لولاه لصلح دخوله، فلو استثنى من الخاص المؤمنين أو المهاجرين لكان إخراج ما لولاه الموجب دخوله، وأما المستثنى من أحوالهم أن إخراج ما لولاه لصلح دخوله؛ لأن أحوالهم صحيحة؛ لأن يكون إرثا أو عطية، بمعنى الهبة أو بمعنى الصدقة وبمعنى الإعمار والتحسين، وقد تقرر في الأصول الفرق بين الأعم والعام، وهذا كثيرا ما يقوله الزمخشري أنه استثناء من أعم العام، وذكر مثله في هذه السورة في قوله تعالى: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ)، وفي سورة يوسف في قوله تعالى: (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)، وتقدم نحوه، لابن عرفة في قوله تعالىَ: في سورة هود (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ)، وفي قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ*] ".
ابن عرفة: أي لَا تبيعوه في حال إلا في المماثلة، وقال الطيبي: إنه استثناء [مفرغ*] في الثبوت، وقاعدة [المفرغ*] إنما يكون في [المنفي*].
قوله تعالى: (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا).
المسطور هو حكم الوصية وغيرها، لَا متعلق ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾
ابن عطية: [إِذْ يحتمل أن تكون ظرفا لتسطير الأحكام المتقدمة في الكتاب، كأنه قال كانت هذه الأحكام مسطرة ملقاة إلى الأنبياء إذ أخذنا عليهم الميثاق في التبليغ والشرائع، فتكون إِذْ متعلقة بقوله كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً، [الأحزاب: ٦]، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بإضمار فعل تقديره واذكر إذ، وهذا التأويل أبين من الأول*].
ابن عرفة: لأجل واو العطف إذ لو كان [معمولا*] لمسطور جاء موصولا غير مفصول بحرف العطف، قال: وإذا كان العامل اذكر، فلابد من تقدير مضاف، أي
قوله تعالى: (وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).
قال ابن عرفة: وكان شيخنا ابن عبد السلام يقول: إنما كرره؛ لأن المصدر تارة يعتبر من حيث إضافته للمفعول، وتارة يعتبر من حيث إضافته للفاعل، ومثاله إذا أخذ رجلان مالا بالسواء، أخذ أحدهما نصفه منه من عند رجل عظيم، والآخر نصفه منه من عند رجل حقير، فالأخذ بالنسبة إلى المفعول مسبق، وبالنسبة إلى الفاعل متفاوت، فقوله تعالى: (مِيثَاقَهُمْ)، إما مصدر مضاف للمفعول فلذلك لم يصفه بالغلظة، اعتبارا بنسبته للفاعل، وهو الله تعالى، ولما كرره لم يعرف بـ (ال) لكونه ذكر أولا معرفا على منكر.
قوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾
ذكر ابن عطية احتمال كون اللام للصيرورة، على أن الضمير في يسأل عائد على غير الله تعالى، إما على الملك أو نحوه؛ لأن لام الصيرورة تقتضي أن الفاعل جاهل بعاقبة الأمر.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ابن عطية: لما أرسل عليهم الريح، قال بعضهم: سحرنا محمد.
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: بموجبة ولكن سحرهم السحر الحلال، قيل له: هذا لَا يحل إطلاقه، فقال: ترى النَّاس إذا تعجبوا من شيء يقول: هذا هو السحر الحلال.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا).
قرئ بتاء الخطاب، فهو وعد للمؤمنين الحفظ والنصر، كقوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، وقرئ [بياء الغيبة*] فهو وعيد للكفار بأنه يرى عملهم فيجازيهم عليه، وينتقم لكم منهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
ابن عرفة: هذا من عطف الصفات، أي وإذ يقول الموصوفون بالنفاق ومرض القلوب، أو من عطف الموصوفات فيكون المنافقون قسمين: منهم من جزم بالكفر، ومنهم من في قلبه مرض، وفي سورة المدثر (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)، فقدم الذين في قلوبهم مرض، قال: وعادتهم يجيبون: بأن منشأ المقالة في هذه الآية، هو الجزم بالكفر والتصميم عليه، لقولهم (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)، وهذا الكفر صريح ومنشأ [المقالة*] في سورة المدثر، الشك في الإيمان لقولهم (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)، فروعي في كل آية منهما الأصل فيما سبق الكلام لأَجله، فقدم هنا المنافقون المصممون على الكفر، وقدم في المدثر مرضى القلوب، قيل لابن عرفة: لَا معارضة بين الآيتين، لأن المنافقين هم الذين في قلوبهم مرض، فقال (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ)، أعم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾
قال ابن عرفة: هذا أخص من أن لو قيل: لَا يخلفون عن القتال، لأنهم إذا عاهدوا الله لَا ينهزموا ولا ينصرفوا عن المقاتلة، فأحرى أن لَا يتخلفوا عن حضور القتال، لتكثير السواد وإن لم يقاتلوا، أو أحرى أن لَا يتسببوا في خذلان المؤمنين
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله تعالى: (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ... (١٦)
قال ابن عرفة: المجرور متعلق بالفعل، وهو فررتم لَا بالفرار إما لقربه منه، وإما لأنه الأصل في العمل حسبما أشار إليه الزمخشري في (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ)، [فإن قلت: بم تعلق مِنَ الْأَرْضِ أبالفعل أم بالمصدر؟ قلت: هيهات، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل*] [يريد*] وإن ذلك إنما هو حيث يكون المصدر جاريا على ذلك الفعل، مثل (دَعَاكُمْ دَعْوَةً)، وأما هذا فإن مصدر فررتم الجاري على المفر أن يكون الفرار إلا الفرار، وما كلام الزمخشري إلا حيث تجري فتأمله، قلت: وهذا الذي ذكر غير صحيح، فإن مصدر فررتم ما هو إلا الفرار فتأمله، وإمَّا لأن الفرار مصدر معرف بالألف واللام فهو موصول فلو تعلق به لوقع الفصل بين الصلة والموصول بأجنبي، ومعناه أن تعلق الفعل لن ينفعكم الفرار من كل شيء [إن*] فررتم من الموت أو القتل، لأنهم قد يفرون لحفظ أموالهم، كما قالوا (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ)، وإن تعلق بالفرار فمعناه لن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل إن فررتم منهما، قال: ومما يرجح تعلقه بالفرار أنه إذا تعلق بـ فررتم لم [يناقض*] أول الآية آخرها، بقوله تعالى: (وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا)، فقد نفعكم الفرار مطلق نفع، وهو التمتع القليل، فلا يصح أن ينفي عنهم نفعه لهم مطلقا، إذا تعلق بالفرار لَا يكون فيه تناقض بوجه، فإن قلت: ما أفاد بقوله (إِنْ فَرَرْتُمْ) قلت: عادتهم يجيبون: بأن [السالبة عند المنطقيين ما تقتضي وجود الموضوع ولا عدمه*] كقولك: لَا شيء من الآدمي في هذا البيت [بمتنفس*]، فيصدق بأن يكون ليس فيه حيوان بوجه، والموجبة المعدولة تقتضي وجود الموضوع نحو: كل آدمي في هذا البيت متنفس، فيقتضي وجوده، وأنه محكوم عليه بعدم التنفس، فإما أن [تكون*] كاذبة أو يكون الآدمي ميتا، وكذلك ما لم يقل: (إنْ فَرَرْتُمْ)، [لأوهم أنهم إنما لم ينفعهم الفرار لعدم وقوعه، فلما قال: (إنْ فَرَرْتُمْ)، أفاد أنه وجد، ولم ينفعهم وجوده*].
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾
الولي: هو القريب الموالي، فهو أخص من الناصر؛ لأن الناصر قد يكون أجنبيا، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فلذلك عطفه عليه، وكذلك قال ابن عطية في أوائل العنكبوت.
قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قَدْ أتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرًّا أنَامِلُهُ
والكثرة في متعلق العلم؛ لأن علم الله متحد لَا يوصف بالكثرة، ولا بالقلة.
قوله تعالى: (الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ).
المجرور إما فاعل أو مفعول، أي المعوقين الذين بهم بعضكم، والمعوقين من غيركم لبعضكم فمعكم أو معوق مثل علمت المكرم، فـ (منكم) إما حال أو مفعول، وكونه مفعولا أقرب لإقبال الخطاب صرف الذم إليهم، ومدح المؤمنين لعدم إتباعهم، وإذا كان فاعلا يكون فيه تهييج على الفرار منهم فقط وما سيقت الآية لهذا.
قوله تعالى: (وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا).
عطف تفسير كقوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) فهو من عطف الصفات أو من عطف الموصوفات.
قوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا).
يحتمل معنيين:
أحدهما: أن فيهم نجدة، وشجاعة، وقدرة على القتال، لكنهم يتناحلون ويظهرون الضعف والعجز.
والثاني: أنهم عاجزون عن القتال كالنساء لما يدركهم من الهلع والخور والخوف، وهو الظاهر أي من شأنهم أنهم لَا يأتون البأس ولا يستطيعونه ولا يقدرون عليه.
قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾
هذه لنفي الماضي المقبل بزمن الحال.
قوله تعالى: (فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ).
ابن عرفة: يحتمل عندي أن يريد بالإحباط بتبكيتهم، وعدم اتصالهم بغرضهم في صدهم المؤمنين، وخذلانهم عن القتال، وأنهم لَا يسعفوهم بمطلوبهم في قولهم: [هَلُمَّ إِلَيْنَا*]، خلاف ما حمله عليه المفسرون.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾
قوله تعالى: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ).
قال الزمخشري: الإشارة إلى [الخطب أو البلاء*] فالمشار إليه معنى مفهوم من السياق وجعله ابن عطية حسيا، وهو الأحزاب.
ابن عرفة: وعلى هذا يقال: كيف أشار إلى الجمع بلفظ المفرد، فيجاب بأنه قصد تقليل الجمع وتحقيره، كقوله تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ).
قوله تعالى: (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ).
يحتمل أن يكون من [تمام*] كلام المؤمنين، وأن يكون من كلام الله تعالى تقريرا لكلام المؤمنين، وتحقيقا له، فإن كان من كلام الله تعالى فلا شيء فيه، وإن كان من كلام المؤمنين، [ففيه*] دليل على صحة إنكاره صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الخطيب القائل "مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا، فَقَدْ غَوَى، حيث قال له: "بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ" [لاحتمال اعتقاد التسوية بينهما في المقام*].
قوله تعالى: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا).
الإيمان عند المعتزلة يزيد وينقص؛ لأن الفعل عندهم جزء من الإيمان، وعندنا فيه ثلاثة مذاهب ثالثها أنه يقبل الزيادة، ولا يقبل النقص.
ابن عرفة: والتحقيق فيه أنه باعتبار ذاته، وهو التصديق لَا يزيد ولا ينقص باعتبار عوارضه يزيد، فالإيمان من عرف الله بالدليل والبرهان المقابل للقول بالشكوك الواردة
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
قال ابن عرفة: نص ابن مالك على أن الجملة إن كانت صحيحة الترادف لما قبلها أو صحيحة التباين له أتى بها موصولة غير مفصولة بحرف العطف، وإن كانت في [مقام التوسط*] فلا بد من حرف العطف ليزيل الإشكال، قال: وظاهر كلام سيبويه، وأكثر النحويين أن الأصل تقديم المبتدأ سواء كان نكرة لها مسوغ أو معرفة، وظاهر كلام الزمخشري: أن الأصل [تأخيره*] إذا كان نكرة؛ لأنه أورد سؤالا [في سورة الأنعام في قوله تعالى: (وَأَجَلٌ مُسَمى عِندَهُ)، قال: [فما أوجب التقديم*؟] [فإن قلت: المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب تأخيره فلم جاز تقديمه في قوله وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ؟ قلت: لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة، كقوله وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ. فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جيد، ولي عبد كيس، وما أشبه ذلك، فما أوجب التقديم؟ فأجاب: بأن في تقديمه تعظيما لشأن الساعة.*]
قوله تعالى: (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ).
إما أن يراد صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، فيكون حقيقة بمعنى الوفاء بالعهد، وإن كان المعاهد عليه مصدوقا، فهي مجاز كقولهم: صدقني من بكره في رجل اشترى من رجل حمارا، فقال: إنه بكر، فلما رأى الإبل صوت بتصويت البكر، فقال مشتريه صدقني من بكره، قال الطيبي: يروى برفع النون [مجازا*]؛ لأنه جعل السن صادقا.
قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ).
فسر بوجهين: إما وفاء بعهده، وإما مات، فعلى الثاني لَا سؤال، وعلى الأول يشكل مع قوله تعالى: (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ)؛ لأن صدقهم دليل على [توفية جميعهم بعهده، فكيف تقسمهم إلى من وفَّى*] بعهده ومن ينتظر، فالمنتظر لم يصدق.
ابن عرفة: إلا أن يقال: إنه وفَّى بعض، وعزم [الوفاء الباقي*] فهو صادق بهذا الاعتبار.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾
قالوا: اللام للصيرورة باعتبار أن فاعل الفعل المعلل غير فاعل للعلة المستفادة، أو باعتبار الفعل المعطوف عليها وهو ويعذب المنافقين، قال: وكان بعضهم لما ذكر سبب جزاء الصادقين، ولم يذكر جزاء المنافقين، فلم يقل: ويعذب المنافقين بنفاقهم، فقال: كان يجيب بالتهيج على فعل المأمور به، واكتفى في النهي عنه بمطلق النهي، وظاهر كلام ابن عرفة أنه جعله من حذف التقابل.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الغيظ هو الغم اللاحق للنفس بوقوع مؤلم، فإِنها الأولى متعلقة بمؤلم، والثانية بوقوع، ولم يدخل فيها الحزن؛ لأن المؤلم الواقع بها غير مقصود وقوعه بها، بل هو أمر من الله تعالى كذهاب مال الإنسان بأمر من الله تعالى، وموت قريب له بخلاف ما لو ذهب ماله باغتصاب آخر له، فإن الحادث له حزن وغيظ.
قوله تعالى: (لَمْ يَنَالُوا خَيرًا).
انظر هل الخير والشر نقيضان أو بينهما واسطة، فكان بعضهم يحتج على [أنهما*] على طرفي النقيض بقول المتكلمين: الوجود خير كله، [والعدم*] شر كله، [والوجود والعدم*] نقيضان. ومنهم من قال أن بينهما واسطة.
قوله تعالى: (وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ).
قالوا في السير: إن المؤمنين قاتلوهم بالنبل والحجارة.
ابن عرفة: وهذا قتال كيف يفهم أنهم كُفوا القتال، لكن يجاب: بأن السورة تقتضي [... ] ولا تنبيه فهي هنا للترتيب، بمعنى أنهم كفوا قتالهم بعد أن صدهم الله تعالى يفيد أنهم خائبين.
قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا).
يحتمل له أن يريد، وكان رسول الله قويا عزيزا كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ)، وهو الأصوب؛ لأنه هو محل مخالفة الكفار، بخلاف الأول.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾
أي [عاونوهم*]، وظاهر كلام المفسرين أن المعاونة والمظاهرة مترادفان، وكان بعضهم يقول: إن المعاونة تقتضي المباشرة في السبب الذي وقعت فيه، والمظاهرة لا تقتضي ذلك، بل تصدق على من دل على الفعل، وحض عليه وإن لم يفعله من المدلول عليه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ابن عرفة: كذا في السير لقوله: " [لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة*] ".
ابن عطية: [ووصلها*] قوم من الصحابة بعد العشاء وهم لم يصلوا العصر، فلم [يخطئهم*] رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ابن عرفة: فيه دليل على أن كل مجتهد مصيب.
قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾
قيل لابن عرفة: كنتم أوردتم سؤالا في قوله تعالى: في سورة النحل (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)، قلتم: زيادة العذاب على مثله [ملزوم لاجَتماع الأمثال في المحل الواحد وهو باطل، وهذا السؤال بعينه يرد في هذه الآية، فيقال: تضعيف العذاب ضعفين ملزوم لاجتماع الأمثال في المحل الواحد*]، [وتقدم الجواب*] عن ذلك من وجهين*]: إما أن يزاد على جواهر أجسامهم جوهر آخر تكون محلا للعذاب الزائد الأول، وإما باعتبار تطاول أزمنة العذاب وقصرها، فكانوا مثلا يعذبون في ساعة واحدة، ثم صاروا يعذبون في ساعتين، وهذا يفهم قولهم في حد الحرابة مثلا: حد العبد، فحد العبد في القذف أربعون، وحد الحر ثمانون، وكما يفهم أن صيغ هذه [... ] لكونها [... ] صنعت من زمن أطول من زمن الأخرى، وتقدم نحوه في البقرة في قوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)، وفي مريم (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)، وفي سورة المدثر في قوله تعالى: (وَيَزدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا)، وهي في سورة الفتح والقتال.
قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾
قرأ الجمهور بكسر القاف، ونافع وعاصم بفتحها، فالفتح على لغة من قال: قررت بفتح القاف في المكان.
ابن عطية: وهي لغة ذكرها أبو عبيد في التقريب المصنف، والزجاج.
ابن عرفة: ؛ قال بعضهم:
| وأشار الشاطبي بقوله [وَقِرْنَ افْتَحْ اذْ نَصُّوا يَكُونَ لَهُ ثَوى | يَحِلُّ سِوَى الْبَصْرِيْ وَخَاتِمَ وُكِّلَا*] |
| أعلِّمه الرماية كل يوم | فلمَّا اشتدَّ ساعدهُ رماني |
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
المراد من يفعل جميع الطاعات أو أكثرها، وليس المراد مطلق الطاعة، لئلا يكون فيه حجة للمرجئة القائلين: بأن مجرد النطق بالشهادتين كافٍ في دخول الجنة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾
العرض إما الاختبار أو الإعطاء، وعرض ذلك على السماوات، إما بعد خلق التمييز فيها والإدراك، وإمَّا عرضه على ملائكتها.
قوله تعالى: (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا).
من باب تقديم المسبب على سببه، لأن الإشفاق سبب في [الإباية أو يكون الإشفاق علة وغاية*].
قوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ).
هو آدم عليه السلام أو الجنس، والمراد بعضه لَا كله، وفيه أن عدم الدخول في العهدة أولا كقول مالك رحمه الله في أهل الكتاب، وترك الحكم بينهم أحب إليَّ.
قيل لابن عرفة: المراد عرضناها على الإنسان فحملها، قال: لَا بل حملها لأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ولذلك كان الشيخ ابن عبد السلام يحكي أن الفقهاء اجتمعوا في جنازة، فقال بعضهم: هذا عليه دخلنا، فقال الآخر: بل عليه أُدخلنا.
قوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾
اللام للصيرورة على قراءة، (وَحَمَلَهَا).
بتخفيف اللام، وللتعليل حقيقة على قراءة التشديد في اللام.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
39 مقطع من التفسير