تفسير سورة التكوير

معاني القرآن للزجاج
تفسير سورة سورة التكوير من كتاب معاني القرآن وإعرابه للزجاج المعروف بـمعاني القرآن للزجاج .
لمؤلفه الزجاج . المتوفي سنة 311 هـ

سُورَةُ التَّكْوير
(مَكِّيَّة)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)
معنى (كُوِّرَتْ) جمع ضوءها ولُفَّتْ كما تلف العمامة، يقال: كرتُ العِمَامَةَ
على رأسِي أكوِّرُها، وكوَّرْتُها أكوِّرهاَ إذا لَفَفْتَها.
* * *
(وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)
انكدرت: تهافتت وتناثرت.
* * *
(وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)
صارتْ سَرَاباً.
* * *
(وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)
(الْعِشَارُ) النوق الحوامل التي في بطونها أولاها، والواحِدَةُ عُشَراء، وإنما
قيل لها عشار لأنها إذَا أتت عليها عَشَرةُ أَشهُرٍ - وهي تضع إذا وضعت لِتَمام
في سنة - فَهِيَ عُشَراء، أحسن ما يكون في الحملُ، فليس يعطلها أهلها إلا
في حال القيامة.
وخوطبت العرب بأمر العِشار لأن مالها وَعَيْشَها أكثرهُ من
الِإبل (١).
* * *
(وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)
قيل تحشر الوحوش كلها حَتَّى الذُّبَابُ يُحْشَرُ للقصاص.
(١) قال السَّمين:
والعِشار: جمع عُشَراء، وهي الناقةُ التي مَرَّ لِحَمْلِها عشرةُ أشهرٍ، ثم هو اسمُها إلى أَنْ تَضَعَ في تمام السنةِ، وكذلك «نِفاس» في جَمْع نُفَساء. وقيل: العِشارُ: السَّحابُ. وعُطِّلت، أي: لا تُمْطر. وقيل: الأرضُ التي تَعَطَّل زَرْعُها. والتَّعْطيل: الإِهمالُ. ومنه قيل للمرأة: «عاطِلٌ» إذا لم يكُنْ عليها حُلِيّ. وتقدَّم/ في «بئرٍ مُعَطَّلةٍ». وقال امرؤ القيس:
٤٥١١ وجِيْدٍ كجِيْدِ الرِّئْمِ ليس بفاحشٍ... إذا هي نَصَّتْهُ ولا بمُعَطَّلِ
وقرأ ابنُ كثير في روايةٍ «عُطِلت» بتخفيفِ الطاءِ. قال الرازي: «هو غَلَطٌ، إنما هو» عَطَلَتْ «بفتحتَيْنَ بمعنى تَعَطَّلَتْ؛ لأنَّ التشديدَ فيه للتعدي. يُقال: عَطَّلْتُ الشيءَ وأَعْطَلْتُه فَعَطَلَ».
والوحوش: ما لم يَتَأنَّسْ من حيوانِ البَرِّ. والوَحْشُ أيضاً: المكانُ الذي لا أُنْسَ فيه، ومنه لَقِيْتُه بوَحْشِ إصْمِت، أي: ببلدٍ قَفْر. والوحشُ: الذي يَبيت جوفُه خالياً من الطعام، وجمعُه أَوْحاش، ويُسَمَّى المنسوبُ إلى المكانِ الوَحْشِ: وَحْشِيّ، وعَبَّر بالوَحْشِيِّ عن الجانبِ الذي يُضادُّ الإِنسيَّ، والإِنسيُّ ما يُقْبَلُ من الإِنسان، وعلى هذا وحشيُّ الفَرَس وإنْسِيُّه. وقرأ الحسن وابن ميمون بتشديد الشينِ مِنْ حُشِّرَتْ.
اهـ (الدُّرُّ المصُون).
(وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)
بالتثقيل، ويقرأ (سُجِرَتْ) بالتخفيف.
ومعنى سُجِّرَتْ قيل إنه في معنى فُجِّرتْ، وقيل سُجِّرَتْ مُلِئَتْ، وِمنه البحر المسْجُورِ المَمْلُوء.
وقيل معنى سُجِرَت جُعَلِتْ مياهها نيراناً بها يعذَب أهل النَّارِ.
* * *
(وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)
قُرِنَتْ كل شيعةٍ بمن شَايَعَتْ، وقيل قُرِنَتْ بأعمَالِها، وقيل قُرِنَت
الأجسام بالأرواح.
* * *
(وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
ويقرأ (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سَأَلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)
والْمَوْءُودَةُ: التي كانت العرب تَئِدُهَا، كانُوا إذَا وُلدَ لأحَدِهم بنت دَفَنَها حيَّة، فمعنى سؤالها ب (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)
تبكيتُ قَاتِلِها في القيامة لأن جَوَابَهَا قُتِلَتُ بغير ذنب.
ومثل هذا التبكيت قول الله تعالى: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ)
فإنما سؤاله وجوابه تبكيت لمَنِ ادَّعى هذا عليه.
يقال: وَأَدْتُ أَئِدُ وأْداً، إذا دفنت المولود حيًّا، والفاعل وَائدٌ، والفاعلة
وائدة، والفاعلات وائدات.
قال الفرزدق:
وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الوَائِدَا... تِ فَأَحْيَا الوَئِيدَ وَلَمْ يُوأَدِ
وكذلك من قرأ: سَأَلَتْ بأي ذنب قُتِلَتْ، سؤالها تبكيت لقاتلها (١).
* * *
(وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)
(١) قال السَّمين:
قوله: ﴿الموءودة﴾: هي البنتُ تْدْفَنُ حيةً مِنْ الوَأْدِ، وهو الثِّقَلُ؛ لأنَّها تُثْقَلُ بالترابِ والجَنْدَل. يقال: وَأَدَه يَئِدُهُ كوَعَدَه يَعِدُه. وقال الزمخشري: «وَأَدَ يَئِدُ، مقلوبٌ مِنْ آد يَؤُوْد إذا أَثْقَلَ. قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] لأنه إثْقالٌ بالتراب». قال الشيخ: «ولا يُدَّعى ذلك؛ لأنَّ كلاً منهما كاملُ التصرُّفِ في الماضي والأمرِ والمضارعِ والمصدرِ واسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ، وليس فيه شيءٌ مِنْ مُسَوِّغات ادِّعاءِ القَلْبِ. والذي يُعْلَمُ به الأصالةُ مِنْ القَلْب: أَنْ يكونَ أحدُ النَّظْمَيْن فيه حُكْمٌ يَشْهَدُ له بالأصالةِ، والآخرُ ليس كذلك أو كونُه مجرداً من حروف الزيادة والآخر فيه مزيداً، وكونُه أكثرَ تصرفاً والآخر ليس كذلك، أو أكثرَ استعمالاً من الآخرِ، وهذا على ما قُرِّرَ وأُحْكِمَ في علمِ التصريفِ. فالأول: كيَئِس وأيِسَ. والثاني: كَطَأْمَنْ واطمأنَّ. والثالث: كشوايع وشواعِي. والرابع: كلَعَمْري ورَعَمْلي».
وقرأ العامَّةُ: «المَوْءُوْدَة» بهمزةٍ بينَ واوَيْن ساكنتَيْن كالمَوْعودة. وقرأ البزيُّ في روايةٍ بهمزةٍ مضمومةٍ ثم واوٍ ساكنةٍ. وفيها وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ كقراءةِ الجماعة ثم نَقَلَ حركةَ الهمزةِ إلى الواوِ قبلها، وحُذِفَتِ الهمزةُ، فصار اللفظُ المَوُوْدَة: واوٌ مضومةٌ ثم أخرى ساكنةٌ، فقُلبت الواوُ المضمومةُ همزةً نحو: «أُجوه» في وُجوه، فصار اللفظُ كما ترى، ووزنُها الآن المَفُوْلة؛ لأنَّ المحذوفَ عينُ الكلمةِ. والثاني: أَنْ تكونَ الكلمةُ اسمَ مفعولٍ مِنْ آدَه يَؤُوده مثلَ: قاده يَقُوده. والأصلُ: مأْوُودة، مثلَ مَقْوُوْدة، ثم حَذَفَ إحدى الواوين على الخلافِ المشهورِ في الحَذْفِ مِنْ نحوِ: مَقُوْل ومَصُوْن فوزنُها الآن: إمَّا مَفُعْلَة إنْ قلنا: إنَّ المحذوفَ الواوَ الزائدةُ، وإمَّا مَفُوْلة إنْ قُلْنا: إنَّ المحذوفَ عينُ الكلمةِ، وهذا يُظْهِرُ فَضْلَ عِلْمِ التصريفِ.
وقُرِىءَ «المَوُوْدة» بضمِّ الواو الأولى على أنه نَقَل حركةَ الهمزةِ بعد حَذْفِها ولمَ يَقْلِبَ الواوَ همزةً. وقرأ الأعمش «المَوْدَة» بزنةِ المَوْزَة. وتوجيهُه: أنه حَذَفَ الهمزةَ اعتباطاً، فالتقى ساكنان، فحَذَفَ ثانيهما، ووزنُها المَفْلَة؛ لأنَّ الهمزةَ عينُ الكلمةِ، وقد حُذِفَتْ. وقال مكي: «بل هو تخفيفٌ قياسِيٌّ؛ وذلك أنَّه لمَّا نَقَل حركةَ الهمزةِ إلى الواوِ لم يَهْمِزْها، فاستثقلَ الضمَّةَ عليها، فسَكَّنها، فالتقى ساكنان فحَذَفَ الثاني، وهذا كلُّه خروجٌ عن الظاهرِ، وإنما يظهر في ذلك ما نَقَله القُرَّاء في وقفِ حمزةَ: أنه يقفُ عليها كالمَوْزَة. قالوا: لأجل الخطِّ لأنها رُسِمَتْ كذلك، والرسمُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
والعامَّةُ على»
سُئِلت «مبنياً للمفعولِ مضمومَ السين. والحسنُ بكسرِها مِنْ سال يَسال كما تقدَّم. وقرأ أبو جعفر» قُتِّلَتْ «بتشديد التاءِ على التكثيرِ؛ لأنَّ المرادَ اسمُ الجنسِ، فناسبَه التكثيرُ.
وقرأ عليٌّ وابن معسود وابن عباس»
سَأَلَتْ «مبنياً للفاعل،» قُتِلْتُ «بضمِّ التاءِ الأخيرة التي للمتكلم حكايةً لكلامِها. وعن أُبَيّ وابن مسعود أيضاً وابن يعمرَ» سَأَلَتْ «مبنياً للفاعل،» قُتِلَتْ «بتاءِ التأنيث الساكنةِ كقراءةِ العامة.
اهـ (الدُّرُّ المصُون).
وَنَشَرَتْ. نشرت الصحف وأعطى كل إنسان كتابه بيمينه أو بشماله على
قدر عمله.
* * *
(وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)
وقرئت (قُشِطَتْ) بالْقَافِ، ومعناهما قُلِعَت كما يُقْلَع السَّقْفُ.
يقال: كَشَطْتُ السقفَ وقشطت السقف بمعنى واحد.
والقاف والكاف تُبْدَلُ إحداهما من الأخرى كثيراً.
وَمِثلُ ذَلِكَ لبكت الشيء ولبقته إذَا خَلطته.
* * *
(وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)
(سُعِرَتْ)
وَ (سُعِّرَتْ) بالتشديد والتخفيف، ومعناه أُوقدت، وكَذَلِكَ (سُعِّرَتْ).
إلا أن (سُعِّرَتْ) أوقدت مرة بعد مرة.
* * *
(وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)
أي قربت من المتقين، وجواب هذه الأشياء قوله:
* * *
(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)
أي إذا كانت هذه الأشياء التي هي في يوم القيامة، علمت في ذلك
الوقت كل نفس ما أَحْضَرَتْ، أَي مِنْ عَمَل، فأثيبت عَلَى قَدْرِ عَمَلِها.
* * *
وقوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)
الخُنَس جمع خَانِسٍ، والجواري جمع جَارِيَةٍ، من جَرَى يَجْرِي.
والخنس جمع خانس وخانسةٍ، وكذلك الْكُنَّسِ جمعُ كانِس وكانسةٍ.
والمعنى فأقسم، و " لَا " مؤكدة.
والخنس ههنا أكثر التفسير يعنى بها النجوم، لأنها تَخْنِس أَيْ تَغِيبُ لأن
مَعَنى (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)).
وَمَعَنَى (الخُنَس). و (الكُنْس) في
النجوم أنها تطلع جارية، وكذلك تخْنسُ، أي تغيب، وكذلك تكنس تدخل
في كناسها، أي تغيب في المواضع التي تغيب فيها.
وقيل الخنس ههنا يعني بَقَر الْوَحْشِ وظباء الوحش، ومعنى خُنس جمع خَانِسٍ والظباء خنسٌ والبَقَر خُنسٌ.
والخَنسُ قِصَرُ الأنف وتأخره عَنِ الفَمِ، وإذا كان للبقر أو كان للظباء
فمعنى الكنس أي التي تكنس، أي تدخل الكِنَاسَ وهو الغصن من أغْصَانِ
الشجَرِ.
* * *
(وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)
يقال عَسْعَسَ الليل إذَا أَقْبَلَ، وعَسْعَسَ إذا أَدْبَرَ، والمَعْنَيَانِ يرجعان إلى
شيءٍ وَاحدٍ، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره.
* * *
(وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)
إذا امتدَّ حَتَى يصيرَ نَهَاراً بيِّناً.
وجواب القسم في هذه الأشياء أعني (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ)
وما بعده قوله:
* * *
(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
يعنى أن القرآن نزل به جبريل عليه السلام.
* * *
(ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)
قيل إنه من قوة جبريل - ﷺ - أنه قَلَبَ مَدِينة قوم لُوطٍ بِقَوَادِمِ جناحه وهي قرى أربع.
* * *
(وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)
هذا أيضاً جواب القسم، المعنى فأقسم بهذه الأشياء أن القرآن نزل به
جبريل عليه السلام، وأقسم بهذه الأشياء مَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ، يعني به النبي - ﷺ -
لأنهم قالوا: (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦).
فقال: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢).
وقال في هذا الموضع
(وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)
قد فسرنا ذلك فِي سُورَةِ والنجِمْ.
* * *
(وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
(بِظَنِينٍ)
ويقرأ (بِضَنِينٍ) فمن قَرَأ (بِظَنِينٍ) فمعناه ما هو على الغيب بِمُتهَم وهو الثقة
فيما أداه عن اللَّه - جلَّ وعزَّ -، يقال ظننت زيداً في معنى اتهمت زيداً، ومن قرأ (بِضَنِينٍ) فمعناه ما هو على الغيب ببخيل، أي هو - ﷺ - يؤدي عن الله وُيعَلِّمُ كتابَ اللَّه (١).
* * *
(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)
معناه فأيَّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينتُ لَكُمْ.
* * *
(لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)
أي الاستقامة واضحة لكم، فمن شاء أخذ في طريق الحقِّ والقصد وهو
الإيمان باللَّهِ عزَّ وجلَّ ورسوله.
ثم أعلمهم أن المشيئَةَ في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذَلِك
إلا بمشيئة اللَّه وتوفيقه فقال:
* * *
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)
ودليل ذلك أيضاً: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ).
(١) قال السَّمين:
قوله: ﴿بِضَنِينٍ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء بمعنى مُتَّهم، مِنْ ظنَّ بمعنى اتَّهم فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه بضعيفِ القوةِ عن التبليغ مِنْ قولِهم: «بئرٌ ظَنُوْنٌ»، أي: قليلةُ الماءِ. وفي مصحفِ عبد الله كذلك، والباقون بالضاد بمعنى: ببخيلٍ بما يأتيه من قِبَلِ ربِّه، إلاَّ أنَّ الطبريَّ نَقَلَ أنَّ الضادَ خطوطُ المصاحفِ كلِّها، وليس كذلك لِما مرَّ، وكان رسولُ الله ﷺ يقرأ بها، وهذا دليلٌ على التمييز بين الحرفين، خِلافاً لمَنْ يقول: إنه لو وقع أحدُهما مَوْقِعَ الآخرِ لجاز، لِعُسْرِ معرفتِه. وقد شَنَّعَ الزمخشري على مَنْ يقول ذلك، وذكر بعضَ المخارج وبعضَ الصفاتِ، بما لا يَليق التطويلُ فيه. و «على الغيب» متعلقٌ ب «ظَنِين» أو «بضَنِين»
اهـ (الدُّرُّ المصُون).
293
فهذا إعلام أن الإنسان لا يعمل خيراً إلا بتوفيق اللَّه ولا شرًّا إلا بخذلانٍ
من اللَّه، لأن الخير والشر بقضائه وقَدَرِه يضل من يشاء ويهدي من يشاء كما
قال جَلَّ وَعَزَّ (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣).
294
Icon