تفسير سورة سورة الطلاق
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي (ت 1224 هـ)
مقدمة التفسير
سورة الطلاق
" مدنية "، وهي اثنتا عشرة آية. ومناسبتها لما قبلها : قوله تعالى : إن من أزواجكم [ التغابن : ١٤ ] فإنها محل الطلاق الذي أشار إليه بقوله :
بسم الله الرحمان الرحيم :
يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ. . .
" مدنية "، وهي اثنتا عشرة آية. ومناسبتها لما قبلها : قوله تعالى : إن من أزواجكم [ التغابن : ١٤ ] فإنها محل الطلاق الذي أشار إليه بقوله :
بسم الله الرحمان الرحيم :
يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ. . .
ﰡ
آية رقم ١
الإشارة : إذا طلقتم الدنيا وحظوظَ نفوسكم ؛ فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأَحْصُوا العدّة : اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تُخرجوا نفوسكم من أشباحها بشِدة مجاهدتها، فإنها مَغرفة السر، ومطيّة السير، نَبَرُّ بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونُخالف هواها، ولا يَخرجن، أي : ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلاّ أن تطغى وتفحش، فبالِغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حَدّها للسائر، ومَن يتعدَّ شيئاً منها فقد ظلم نفسه، إمّا بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل اللهَ يُحدث بعد ذلك انقياداً وتسهيلاً، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهِدوا ذّوّيْ عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج مِن ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم.
آية رقم ٢
ثم حَضَّ على التقوى التي هي مجمع الخير، فقال :
... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً .
فإذا بَلَغْنَ أجلَهن أي : قاربن آخر العِدَّة فأمْسِكُوهنَّ ؛ راجعوهن بمعروفٍ بحُسن معاشرة وإنفاقٍ لائق، أو فارِقوهنَّ بمعروفٍ بإعطاء الصداق والإمتاع حين الطلاق، والوفاء بالشروط. والمعنى : فأنتم بالخيار ؛ إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتّقاء الضرر، وهو أن يُراجعها في آخر عدتها ثم يُطلقها، تطويلاً لعِدتها وتعذيباً لها، وأَشْهِدوا عند الرجعة والمفارقة ذَوَيْ عَدْلٍ منكم من المسلمين، وهذا الإشهاد مندوب على المشهور لئلا يقع بينهما التجاحد. وفي قوله : ذوي عدل دلالة على أنهم ذكور، فلا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق عند الجمهور. وأقيموا الشهادةَ للهِ أيها الشهود عند الحاجة إليها، خالصاً لوجهه تعالى. ذلكم إشارة إلى الحث على الإشهاد في الرجعة، أو : إلى جميع ما ذكر، يُوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر إِذ هو المنتفِع به، والمقصود بتذكيره.
يقول الحق جلّ جلاله : ومَن يَتَّقِ اللهَ بأن طلَّق للسُنَّة، ولم يُضار بالمعتدّة، ولم يُخرجها من مسكنها، واحتاط في الإشهاد، وغير ذلك، يجعل له مخرجاً مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والمضائق، ويُفرِّج عنه ما يعتريه من الكروب. رُوي عن ابن عباس أنه قال لمَن طَلَّق ثلاثاً :" إنك لم تتق الله، فبانت منك امرأتك ". والمختار : أنَّ الآية عامة، أي : ومَن يتق الله في أقواله وأفعاله وأحواله يجعل له مخرجاً من كرب الدنيا والآخرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها، فقال :" مخرجاً من شُبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة " ١. قال ابن جزي : وهذا أي العموم أرجح من خمسة أوجه، الأول : حمل اللفظ على عمومه، فيدخل فيه الطلاق وغيره. الثاني : رُوي : أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أُسر ولده، وضُيِّق عليه رزقه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالتقوى، وقال له :" أَكْثِرْ من : لا حَول ولا قوة إلاّ بالله " فلم يلبث إلاَّ يسيراً، وانطلق ولده، ووسع عليه رزقه٢. والثالث : أنه رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إني لأَعْلمُ آية لو أخذ الناسُ بها لكفتهُم ومَن يتق الله يجعل له مخرجاً " فما زال يكررها٣، انظر بقيته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : إذا طلقتم الدنيا وحظوظَ نفوسكم ؛ فليكن ذلك إلى أجل معلوم، وهو الرسوخ والتمكين بعد الوصول، وأَحْصُوا العدّة : اضبطوا أيام سيركم لئلا تضيع في البطالة أو الفضول، واتقوا ما سوى ربكم أن تلتفتوا إليه، لا تُخرجوا نفوسكم من أشباحها بشِدة مجاهدتها، فإنها مَغرفة السر، ومطيّة السير، نَبَرُّ بها فيما تقوم بها من مآكل وملبس ونُخالف هواها، ولا يَخرجن، أي : ولا تتركوها أن تخرج من عش التربية قبل الترشيد، إلاّ أن تطغى وتفحش، فبالِغ في مجاهدتها بما يقارب موتها، وتلك حدود الله التي حَدّها للسائر، ومَن يتعدَّ شيئاً منها فقد ظلم نفسه، إمّا بتفريط أو إفراط، فصاحب التفريط لا يصل، وصاحب الإفراط لا يدوم، لا تدري أيها السائر لعل اللهَ يُحدث بعد ذلك انقياداً وتسهيلاً، فإذا بلغ أجل الوصول، وحل التمكين، فلا ميزان على النفس، إن شاء أمسك عليها إبقاء، وإن شاء غاب عنهما فناء، وأشهِدوا ذّوّيْ عدل منكم، وهم أهل الفن، فلا يخرج مِن ربقة المجاهدة وعش الإرادة، حتى يشهد له الشيخ أو أهل الفن. والله تعالى أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : ومَن يتق الله التقوى الكاملة، يجعل له من كمل مُشْكل وشُبهة ومتشابه مَخرجاً، فيَنحلّ له كل ما أشكل على الناس في أمر الدين والدنيا، ويرزقه من العلوم والأسرار والمعارف، ما لا يخطر على بال، من حيث لا يحتسب، من غير تعلُّم ولا مدارسة، وقال القشيري : إذا صَدَقَ العبدُ في تقواه أخرجه من أشغاله، كالشعرة من العجين، لا يتعلق بها شيء، يضرب على المتقِي سرادقات عنايته، ويُدخله في كنف الإيواء ويصرف الأشغال، عن قلبه، ويُخرجه عن تدبيره، ويُجرده عن كل شغل، ويكفيه كل أمر، وينقله إلى شهود قضاء تقديره. هـ.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى : أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوئ والدعاوى، أمّا مَن طهَّر ظاهره من المعاصي، وسَدّ الأُفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بِشَرِّه، أي : فلا يدخل في الآية. ثم قال : إلاّ مَن وَطَّن نفسه على الأرياح إلى أيّ وجهة تقلب، أي : دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال اللهُ فيه : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [ السجدة : ١٦ ]، أتراه منع جنوبَهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجِعُون أسرارهم شيئاً، فافهم هذا المعنى، تتجافى جُنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فالخوف قَطَعَهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهم ينفقون. هـ. مختصراً.
وقوله تعالى : ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسبُ قال في الحاشية الفاسية : أي : يرزقه المقدَّر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومَن عَرَف اللهَ عَرَفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل : التقوى : التبري من الحول والقوة. هـ.
وقوله تعالى : ومَن يتوكل على الله فهو حَسْبه قال القشيري : فالله حاسبه، أي : كافيه. إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه ، إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير، فلا محالةَ يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكنَّ المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كارهٍ لما يرد عليه، وهذا من أجَلِّ النعم. ثم قال في موضع آخر : التوكل : شهود نَفْسِك خارجاً من المِنَّة، جارياً عليك أحكام التقدير من غير تدبيرٍ منك ولا اطلاع لك على حُكمه، فسبيلُ العبد : الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر. وفي الخبر :" أعوذ بالله من علم لا ينفع " ١. ومن جملته : أن يكون قد وقع لك شُغْلٌ، واستقبلك مُهمٌ، وقد اشتبه عليك وجهُ التدبير فيه، وتكون مُطالباً بالسُكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سببٍ ؟ وعلى أي وجهٍ ؟ وعلى يد مَن ؟ فهذا كله تخليطٌ، وغير مُسلَّم شيءٌ من ذلك للأكابر، وهو مِن العلم الذي يجب التعوُّذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقتُ الكَشْف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام، أو ينظر في فال من الجامع ـ أي : ككتاب وشَبهه ـ أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كلُّ هذا تركُ للأدب، واللهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ السكون. هـ.
وقال في القوت : والحسب إلى الحسيب يجعلُه ما شاء كيف شاء، فقد قيل : فهو حَسْبُه أي : التوكل حَسْبُه من سائر المقامات، ثم قال معرباً باللطافة، مسلياً للجماعة : إِنَّ الله بالغ أمره أي : منفذ حكمه فيمن توكل، ومَن لا يتوكل، إلاَّ أنّ مَن توكّل عليه يكون الله ـ عزّ وجل ـ حَسبه، أي : يكفيه أيضاً مُهِم الدنيا والآخرة، ولا يزيد مَن لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسْمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد مَن توكل عليه هُدىً إلى هداه، ويرفعه مقاماً في اليقين قدر تقواه، ويُعزّه بعزّه، وينقص مَن لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويُشتت قلبَه، ويشغل فكرَه، فالمتوكل عليه يُجب له تكفير السيئات، ويُلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أمّا الكفاية فقد ضَمِنها تعالى لِمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمَن أحسن تفويضه إليه، إلاّ أنّ الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم ؛ لأنَّ العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين. هـ.
... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً .
فإذا بَلَغْنَ أجلَهن أي : قاربن آخر العِدَّة فأمْسِكُوهنَّ ؛ راجعوهن بمعروفٍ بحُسن معاشرة وإنفاقٍ لائق، أو فارِقوهنَّ بمعروفٍ بإعطاء الصداق والإمتاع حين الطلاق، والوفاء بالشروط. والمعنى : فأنتم بالخيار ؛ إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتّقاء الضرر، وهو أن يُراجعها في آخر عدتها ثم يُطلقها، تطويلاً لعِدتها وتعذيباً لها، وأَشْهِدوا عند الرجعة والمفارقة ذَوَيْ عَدْلٍ منكم من المسلمين، وهذا الإشهاد مندوب على المشهور لئلا يقع بينهما التجاحد. وفي قوله : ذوي عدل دلالة على أنهم ذكور، فلا تجوز شهادة النساء في النكاح ولا في الطلاق عند الجمهور. وأقيموا الشهادةَ للهِ أيها الشهود عند الحاجة إليها، خالصاً لوجهه تعالى. ذلكم إشارة إلى الحث على الإشهاد في الرجعة، أو : إلى جميع ما ذكر، يُوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر إِذ هو المنتفِع به، والمقصود بتذكيره.
يقول الحق جلّ جلاله : ومَن يَتَّقِ اللهَ بأن طلَّق للسُنَّة، ولم يُضار بالمعتدّة، ولم يُخرجها من مسكنها، واحتاط في الإشهاد، وغير ذلك، يجعل له مخرجاً مما عسى يقع في شأن الأزواج من الغموم والمضائق، ويُفرِّج عنه ما يعتريه من الكروب. رُوي عن ابن عباس أنه قال لمَن طَلَّق ثلاثاً :" إنك لم تتق الله، فبانت منك امرأتك ". والمختار : أنَّ الآية عامة، أي : ومَن يتق الله في أقواله وأفعاله وأحواله يجعل له مخرجاً من كرب الدنيا والآخرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها، فقال :" مخرجاً من شُبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة " ١. قال ابن جزي : وهذا أي العموم أرجح من خمسة أوجه، الأول : حمل اللفظ على عمومه، فيدخل فيه الطلاق وغيره. الثاني : رُوي : أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أُسر ولده، وضُيِّق عليه رزقه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالتقوى، وقال له :" أَكْثِرْ من : لا حَول ولا قوة إلاّ بالله " فلم يلبث إلاَّ يسيراً، وانطلق ولده، ووسع عليه رزقه٢. والثالث : أنه رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إني لأَعْلمُ آية لو أخذ الناسُ بها لكفتهُم ومَن يتق الله يجعل له مخرجاً " فما زال يكررها٣، انظر بقيته.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى : أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوئ والدعاوى، أمّا مَن طهَّر ظاهره من المعاصي، وسَدّ الأُفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بِشَرِّه، أي : فلا يدخل في الآية. ثم قال : إلاّ مَن وَطَّن نفسه على الأرياح إلى أيّ وجهة تقلب، أي : دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال اللهُ فيه : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [ السجدة : ١٦ ]، أتراه منع جنوبَهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجِعُون أسرارهم شيئاً، فافهم هذا المعنى، تتجافى جُنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فالخوف قَطَعَهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهم ينفقون. هـ. مختصراً.
وقوله تعالى : ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسبُ قال في الحاشية الفاسية : أي : يرزقه المقدَّر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومَن عَرَف اللهَ عَرَفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل : التقوى : التبري من الحول والقوة. هـ.
وقوله تعالى : ومَن يتوكل على الله فهو حَسْبه قال القشيري : فالله حاسبه، أي : كافيه. إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه ، إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير، فلا محالةَ يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكنَّ المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كارهٍ لما يرد عليه، وهذا من أجَلِّ النعم. ثم قال في موضع آخر : التوكل : شهود نَفْسِك خارجاً من المِنَّة، جارياً عليك أحكام التقدير من غير تدبيرٍ منك ولا اطلاع لك على حُكمه، فسبيلُ العبد : الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر. وفي الخبر :" أعوذ بالله من علم لا ينفع " ١. ومن جملته : أن يكون قد وقع لك شُغْلٌ، واستقبلك مُهمٌ، وقد اشتبه عليك وجهُ التدبير فيه، وتكون مُطالباً بالسُكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سببٍ ؟ وعلى أي وجهٍ ؟ وعلى يد مَن ؟ فهذا كله تخليطٌ، وغير مُسلَّم شيءٌ من ذلك للأكابر، وهو مِن العلم الذي يجب التعوُّذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقتُ الكَشْف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام، أو ينظر في فال من الجامع ـ أي : ككتاب وشَبهه ـ أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كلُّ هذا تركُ للأدب، واللهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ السكون. هـ.
وقال في القوت : والحسب إلى الحسيب يجعلُه ما شاء كيف شاء، فقد قيل : فهو حَسْبُه أي : التوكل حَسْبُه من سائر المقامات، ثم قال معرباً باللطافة، مسلياً للجماعة : إِنَّ الله بالغ أمره أي : منفذ حكمه فيمن توكل، ومَن لا يتوكل، إلاَّ أنّ مَن توكّل عليه يكون الله ـ عزّ وجل ـ حَسبه، أي : يكفيه أيضاً مُهِم الدنيا والآخرة، ولا يزيد مَن لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسْمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد مَن توكل عليه هُدىً إلى هداه، ويرفعه مقاماً في اليقين قدر تقواه، ويُعزّه بعزّه، وينقص مَن لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويُشتت قلبَه، ويشغل فكرَه، فالمتوكل عليه يُجب له تكفير السيئات، ويُلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أمّا الكفاية فقد ضَمِنها تعالى لِمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمَن أحسن تفويضه إليه، إلاّ أنّ الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم ؛ لأنَّ العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين. هـ.
١ أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٦/٣٥٤..
٢ أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/٤٩٢، والبغوي في تفسيره ٨/١٥١..
٣ أخرجه ابن ماجه في الزهد حديث ٤٢٢٠، وأحمد في المسند ٥/١٧٨..
٢ أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/٤٩٢، والبغوي في تفسيره ٨/١٥١..
٣ أخرجه ابن ماجه في الزهد حديث ٤٢٢٠، وأحمد في المسند ٥/١٧٨..
آية رقم ٣
الإشارة : ومَن يتق الله التقوى الكاملة، يجعل له من كمل مُشْكل وشُبهة ومتشابه مَخرجاً، فيَنحلّ له كل ما أشكل على الناس في أمر الدين والدنيا، ويرزقه من العلوم والأسرار والمعارف، ما لا يخطر على بال، من حيث لا يحتسب، من غير تعلُّم ولا مدارسة، وقال القشيري : إذا صَدَقَ العبدُ في تقواه أخرجه من أشغاله، كالشعرة من العجين، لا يتعلق بها شيء، يضرب على المتقِي سرادقات عنايته، ويُدخله في كنف الإيواء ويصرف الأشغال، عن قلبه، ويُخرجه عن تدبيره، ويُجرده عن كل شغل، ويكفيه كل أمر، وينقله إلى شهود قضاء تقديره. هـ.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى : أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوئ والدعاوى، أمّا مَن طهَّر ظاهره من المعاصي، وسَدّ الأُفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بِشَرِّه، أي : فلا يدخل في الآية. ثم قال : إلاّ مَن وَطَّن نفسه على الأرياح إلى أيّ وجهة تقلب، أي : دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال اللهُ فيه : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [ السجدة : ١٦ ]، أتراه منع جنوبَهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجِعُون أسرارهم شيئاً، فافهم هذا المعنى، تتجافى جُنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فالخوف قَطَعَهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهم ينفقون. هـ. مختصراً.
وقوله تعالى : ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسبُ قال في الحاشية الفاسية : أي : يرزقه المقدَّر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومَن عَرَف اللهَ عَرَفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل : التقوى : التبري من الحول والقوة. هـ.
وقوله تعالى : ومَن يتوكل على الله فهو حَسْبه قال القشيري : فالله حاسبه، أي : كافيه. إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه ، إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير، فلا محالةَ يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكنَّ المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كارهٍ لما يرد عليه، وهذا من أجَلِّ النعم. ثم قال في موضع آخر : التوكل : شهود نَفْسِك خارجاً من المِنَّة، جارياً عليك أحكام التقدير من غير تدبيرٍ منك ولا اطلاع لك على حُكمه، فسبيلُ العبد : الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر. وفي الخبر :" أعوذ بالله من علم لا ينفع " ١. ومن جملته : أن يكون قد وقع لك شُغْلٌ، واستقبلك مُهمٌ، وقد اشتبه عليك وجهُ التدبير فيه، وتكون مُطالباً بالسُكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سببٍ ؟ وعلى أي وجهٍ ؟ وعلى يد مَن ؟ فهذا كله تخليطٌ، وغير مُسلَّم شيءٌ من ذلك للأكابر، وهو مِن العلم الذي يجب التعوُّذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقتُ الكَشْف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام، أو ينظر في فال من الجامع ـ أي : ككتاب وشَبهه ـ أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كلُّ هذا تركُ للأدب، واللهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ السكون. هـ.
وقال في القوت : والحسب إلى الحسيب يجعلُه ما شاء كيف شاء، فقد قيل : فهو حَسْبُه أي : التوكل حَسْبُه من سائر المقامات، ثم قال معرباً باللطافة، مسلياً للجماعة : إِنَّ الله بالغ أمره أي : منفذ حكمه فيمن توكل، ومَن لا يتوكل، إلاَّ أنّ مَن توكّل عليه يكون الله ـ عزّ وجل ـ حَسبه، أي : يكفيه أيضاً مُهِم الدنيا والآخرة، ولا يزيد مَن لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسْمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد مَن توكل عليه هُدىً إلى هداه، ويرفعه مقاماً في اليقين قدر تقواه، ويُعزّه بعزّه، وينقص مَن لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويُشتت قلبَه، ويشغل فكرَه، فالمتوكل عليه يُجب له تكفير السيئات، ويُلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أمّا الكفاية فقد ضَمِنها تعالى لِمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمَن أحسن تفويضه إليه، إلاّ أنّ الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم ؛ لأنَّ العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين. هـ.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى : أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوئ والدعاوى، أمّا مَن طهَّر ظاهره من المعاصي، وسَدّ الأُفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بِشَرِّه، أي : فلا يدخل في الآية. ثم قال : إلاّ مَن وَطَّن نفسه على الأرياح إلى أيّ وجهة تقلب، أي : دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال اللهُ فيه : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [ السجدة : ١٦ ]، أتراه منع جنوبَهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجِعُون أسرارهم شيئاً، فافهم هذا المعنى، تتجافى جُنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فالخوف قَطَعَهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهم ينفقون. هـ. مختصراً.
وقوله تعالى : ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسبُ قال في الحاشية الفاسية : أي : يرزقه المقدَّر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومَن عَرَف اللهَ عَرَفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل : التقوى : التبري من الحول والقوة. هـ.
وقوله تعالى : ومَن يتوكل على الله فهو حَسْبه قال القشيري : فالله حاسبه، أي : كافيه. إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه ، إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير، فلا محالةَ يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكنَّ المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كارهٍ لما يرد عليه، وهذا من أجَلِّ النعم. ثم قال في موضع آخر : التوكل : شهود نَفْسِك خارجاً من المِنَّة، جارياً عليك أحكام التقدير من غير تدبيرٍ منك ولا اطلاع لك على حُكمه، فسبيلُ العبد : الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر. وفي الخبر :" أعوذ بالله من علم لا ينفع " ١. ومن جملته : أن يكون قد وقع لك شُغْلٌ، واستقبلك مُهمٌ، وقد اشتبه عليك وجهُ التدبير فيه، وتكون مُطالباً بالسُكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سببٍ ؟ وعلى أي وجهٍ ؟ وعلى يد مَن ؟ فهذا كله تخليطٌ، وغير مُسلَّم شيءٌ من ذلك للأكابر، وهو مِن العلم الذي يجب التعوُّذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقتُ الكَشْف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام، أو ينظر في فال من الجامع ـ أي : ككتاب وشَبهه ـ أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كلُّ هذا تركُ للأدب، واللهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ السكون. هـ.
وقال في القوت : والحسب إلى الحسيب يجعلُه ما شاء كيف شاء، فقد قيل : فهو حَسْبُه أي : التوكل حَسْبُه من سائر المقامات، ثم قال معرباً باللطافة، مسلياً للجماعة : إِنَّ الله بالغ أمره أي : منفذ حكمه فيمن توكل، ومَن لا يتوكل، إلاَّ أنّ مَن توكّل عليه يكون الله ـ عزّ وجل ـ حَسبه، أي : يكفيه أيضاً مُهِم الدنيا والآخرة، ولا يزيد مَن لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسْمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد مَن توكل عليه هُدىً إلى هداه، ويرفعه مقاماً في اليقين قدر تقواه، ويُعزّه بعزّه، وينقص مَن لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويُشتت قلبَه، ويشغل فكرَه، فالمتوكل عليه يُجب له تكفير السيئات، ويُلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أمّا الكفاية فقد ضَمِنها تعالى لِمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمَن أحسن تفويضه إليه، إلاّ أنّ الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم ؛ لأنَّ العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين. هـ.
آية رقم ٤
ثم ذكر مدة اليائسة والحامل، فقال :
وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً .
يقول الحق جلّ جلاله : واللائي يَئِسْنَ من المحيض من نسائكم لكبرهن، وقدّروه بستين، أو : بخمس وخمسين. رُوي أنَّ ناساً قالوا : قد عرفنا عِدة الأقراء، فما عدة التي لم تحض ؟ فنزلت. وقوله : إِن ارتبتمْ أي : إن أشكل عليكم حكمهنّ كيف يعتددن، فعِدَّتهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ أو : إن ارتبتم في حيضها، هل انقطع أو لم ينقطع، فعِدَّتها بالأشهر، وهي المرتابة التي غابت حيضتُها، وهي في سن مَن يحيض، واختلف فيها، فقيل : ثلاثة أشهر على ظاهر الآية، وقيل : تسعة، وتستبرئ بثلاثة، وهو المشهور في مذهب مالك، وقدوته في ذلك عُمر بن الخطاب، لأنّ مذهبه عُمري، وقيل : تعتد بالأقراء، ولو بلغت ثلاثين سنة، حتى تبلغ سن مَن لا يحيض، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. واللائي لم يَحِضْنَ من صغر، فعدتهنّ ثلاثة أشهر، حذف لدلالة ما قبله، وأُولات الأحوالِ أجَلُهُنَّ أي : عِدّتهن أن يضعن حَملَهن سواء كن مطلقات، أو متوفًّى عنهن أزواجهن، عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء. وقال عليّ وابن عباس رضي الله عنهما : إنما هذا في المطلقات الحوامل، وأما المتوفى عنهن فعدّتهنَ أقصى الأجلين، إما الوضع، أو انقضاء أربعة أشهر وعشر، وحُجة الجمهور : حديث سُبَيْعة، أنها لما مات زوجها، ووضعت، أَمَرَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالتزوُّج١، وقد رُوي أن ابن عباس رجع إليه، ولو بلغ عليًّا لرجع، فهذه الآية مخصَّصة لِما في سورة البقرة من قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ... [ البقرة : ٢٣٤ ].
تنبيه : وَضْعُ الحمل إنما يُبرئ الرحم إذا كان من نكاح صحيح، وأمّا من الزنى فلا يُبرئ، باتفاقٍ، فمَن حملت مِن زنى وهي متزوجة فلا تحل للهارب الذي حملت منه إذا طُلّقت بوضع حملها منه، بل لا بد من ثلاثة قروء بعد الوضع، نَعَم مَن لا زوج لها من حُرةٍ أو أَمةٍ إذا حملت من زنى تمَّ استبراؤها بوضع حملها.
ومَن يتقِ اللهَ في شأن أحكام العدة ومراعاة حقوقها يجعل له من أمره يُسراً أي : يُسهل عليه أمره. ويتحلّل عليه ما تعقّد ببركة التقوى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : والنفوس التي يئسن من المساوئ والميل إلى الدنيا، ثم شككتم في تحقق طهارتها، تنتظر ثلاثة أشهر، فإذا مضت هذه المدة ولم يظهر منها ميل، فالغالب طهارتها، وكذلك النفوس الزكية، الباقية على الفطرة، التي لم يظهر منها خَلل، تنتظر هذه المدة، فإن ظهرت سلامتها فلا مجاهدة عليها، والنفوس الحوامل بكثرة الأشغال عِدَّة تمام فتحها أن تضع كل ما يثقل عليها ويمنعها من السير، ولقد سمعتُ شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول : إن شئتم أن أُقسم لكم ؛ إنه لا يدخل أحد عالَم الملكوت وفي قلبه علقة. هـ. ومَن يتق الله أي : يعزم على البر والتقوى يجعل له تعالى من أمره يُسراً، يُسهّل عليه طريق السلوك، ويكفيه كلَّ ما يُثقله ويشغله عنه، إما بإزالة ذلك له، أو بغيبته عن شؤونه، ومَن يتق الله بالفعل يُكَفِّر عنه سيئاتِه، أي : يُغطّي عنه أوصافه الذميمة بأوصافه الحميدة، ويُعظم له أجراً بأن يفتح له باب مشاهدته. والله تعالى أعلم.
وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً .
يقول الحق جلّ جلاله : واللائي يَئِسْنَ من المحيض من نسائكم لكبرهن، وقدّروه بستين، أو : بخمس وخمسين. رُوي أنَّ ناساً قالوا : قد عرفنا عِدة الأقراء، فما عدة التي لم تحض ؟ فنزلت. وقوله : إِن ارتبتمْ أي : إن أشكل عليكم حكمهنّ كيف يعتددن، فعِدَّتهُنَّ ثلاثةُ أشهرٍ أو : إن ارتبتم في حيضها، هل انقطع أو لم ينقطع، فعِدَّتها بالأشهر، وهي المرتابة التي غابت حيضتُها، وهي في سن مَن يحيض، واختلف فيها، فقيل : ثلاثة أشهر على ظاهر الآية، وقيل : تسعة، وتستبرئ بثلاثة، وهو المشهور في مذهب مالك، وقدوته في ذلك عُمر بن الخطاب، لأنّ مذهبه عُمري، وقيل : تعتد بالأقراء، ولو بلغت ثلاثين سنة، حتى تبلغ سن مَن لا يحيض، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة. واللائي لم يَحِضْنَ من صغر، فعدتهنّ ثلاثة أشهر، حذف لدلالة ما قبله، وأُولات الأحوالِ أجَلُهُنَّ أي : عِدّتهن أن يضعن حَملَهن سواء كن مطلقات، أو متوفًّى عنهن أزواجهن، عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء. وقال عليّ وابن عباس رضي الله عنهما : إنما هذا في المطلقات الحوامل، وأما المتوفى عنهن فعدّتهنَ أقصى الأجلين، إما الوضع، أو انقضاء أربعة أشهر وعشر، وحُجة الجمهور : حديث سُبَيْعة، أنها لما مات زوجها، ووضعت، أَمَرَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالتزوُّج١، وقد رُوي أن ابن عباس رجع إليه، ولو بلغ عليًّا لرجع، فهذه الآية مخصَّصة لِما في سورة البقرة من قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ... [ البقرة : ٢٣٤ ].
تنبيه : وَضْعُ الحمل إنما يُبرئ الرحم إذا كان من نكاح صحيح، وأمّا من الزنى فلا يُبرئ، باتفاقٍ، فمَن حملت مِن زنى وهي متزوجة فلا تحل للهارب الذي حملت منه إذا طُلّقت بوضع حملها منه، بل لا بد من ثلاثة قروء بعد الوضع، نَعَم مَن لا زوج لها من حُرةٍ أو أَمةٍ إذا حملت من زنى تمَّ استبراؤها بوضع حملها.
ومَن يتقِ اللهَ في شأن أحكام العدة ومراعاة حقوقها يجعل له من أمره يُسراً أي : يُسهل عليه أمره. ويتحلّل عليه ما تعقّد ببركة التقوى.
١ أخرجه البخاري في الطلاق حديث ٥٣١٨، ومسلم في الطلاق حديث ٥٧..
آية رقم ٥
الإشارة : والنفوس التي يئسن من المساوئ والميل إلى الدنيا، ثم شككتم في تحقق طهارتها، تنتظر ثلاثة أشهر، فإذا مضت هذه المدة ولم يظهر منها ميل، فالغالب طهارتها، وكذلك النفوس الزكية، الباقية على الفطرة، التي لم يظهر منها خَلل، تنتظر هذه المدة، فإن ظهرت سلامتها فلا مجاهدة عليها، والنفوس الحوامل بكثرة الأشغال عِدَّة تمام فتحها أن تضع كل ما يثقل عليها ويمنعها من السير، ولقد سمعتُ شيخنا البوزيدي رضي الله عنه يقول : إن شئتم أن أُقسم لكم ؛ إنه لا يدخل أحد عالَم الملكوت وفي قلبه علقة. هـ. ومَن يتق الله أي : يعزم على البر والتقوى يجعل له تعالى من أمره يُسراً، يُسهّل عليه طريق السلوك، ويكفيه كلَّ ما يُثقله ويشغله عنه، إما بإزالة ذلك له، أو بغيبته عن شؤونه، ومَن يتق الله بالفعل يُكَفِّر عنه سيئاتِه، أي : يُغطّي عنه أوصافه الذميمة بأوصافه الحميدة، ويُعظم له أجراً بأن يفتح له باب مشاهدته. والله تعالى أعلم.
آية رقم ٦
ثم ذكر حكم السكنى والنفقة، فقال :
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً .
يقول الحق جّل جلاله : أَسْكِنُوهُنَّ أي : المطلَقات من حيثُ سَكَنتم أي : مكاناً من حيث سكنتم، ف " من " للتبعيض، أي : بعض مكانِ سكناكم. قال قتادة : لو لم يكن له إلاّ بيت واحد سكنها في بعض جوانبه. من وُجْدِكُم أي : وُسْعِكم، أي : ما تطيقونه، فهو عطف بيان، أو بدل. قال أبو حيان : لا يُعرف عطف بيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً. ه. والوجد، يجوز فيه الضم وهو أشهر والفتح والكسر.
قال ابن جزي : فأمّا المطلقات غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السُكُنَى والنفقة اتفاقاً، وأمّا المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال، أحدها : أنها يجب لها السكنى دون النفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني : أنها يجب لها السكنى والنفقة، وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث : أنها ليس لها سُكنى ولا نفقة، وهو قول محمد، وثابت البناني، وأُبي بن كعب. فحُجة مالك : حديث فاطمة بنت قيس، وهو أنَّ زوجها طلَّقها البتَّةَ، فقال لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :" ليس لك عليه نفقة " ١، فيؤخذ منه : أنَّ لها السُكْنى، وحُجة مَن أوجب لها السكنى والنفقة : قول عمر بن الخطاب : لا ندع آيةً من كتاب الله ربنا لقول امرأة، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لها السُكْنَى والنفقة " ٢، وحجة مَن لم يجعل لها سكنى ولا نفقة : أنَّ في بعض الروايات عنها أي : فاطمة بنت قيس أنها قالت :" لم يجعل لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سُكْنَى " ٣.
ولا تُضارُّوهُنَّ في السُّكْنَى لِتُضيِّقُوا عليهن ويُلجأن إلى الخروج، وإِن كن أي : المطلقات أُولات حملٍ فأَنفِقوا عليهن حتى يضعنَ حَملَهن فيخرجن من العِدّة. قال ابن جزي : اتفق العلماء على وجوب النفقة في العِدّة للمطلقة، عملاً بالآية، سواء كان الطلاق رجعيًّا أو بائناً. واتفقوا أنَّ للمطلقة غير الحامل النفقة والسُكْنى في العِدّة إذا كان الطلاق رجعيًّا، فإن كان بائناً فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه، وأمّا المتوفَّى عنها إذا كانت حاملاً فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا أنَّ هذه الآية إنما هي في المطلقات. وقال قوم : لها النفقة في التركة. ه.
فإنْ أرضعنَ لكم هؤلاء المطلقات أولادَكم فآتوهن أجورَهُنَّ أي : أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن المُفصل في كتب الفقه. وأْتَمِرُوا بينكم بمعروفٍ ، خطاب للرجال والنساء، أي : يأمر كلُّ واحد منكم صاحبَه بخيرٍ ؛ من المسامحة والرفق والإحسان، ولا يكن من الأب مماكسة، ومن الأم معاسرة، أو : تشاوروا بينكم على التراضي في الأجرة، ومنه : إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ [ القصص : ٢٠ ]. وإِن تعاسَرتمْ ؛ تضايقتم، فلم ترضَ الأمّ بما ترضع به الأجنبية، فستُرضِعُ له أخرى ؛ فستُوجد مرضعةٌ أخرى، غير متعاسرة، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. والمعنى : إن تشططت الأمّ على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيراً، فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق إلاّ ألاَّ يَقبل الولدُ غيرها، فتُجبر على رضاعة بأجرة المثل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : أسكِنوا نفوسَكم من حيث سكنتم بها قبل التوجه، فينبغي للمريد أن يسايس نفسه شيئاً فشيئاً، حتى يغيب عنها في شهود الحق، من غير تشديدٍ في إخراجها عن طبعها بالكلية، فإنها حينئذٍ تَملّ وتكِلّ، فقد قيل : مَن سار إلى الله بموافقة طبعه كان الوصول إليه أقرب إليه من طبعه، ومَن سار إلى الله بمخالفة طبعه كان الوصول إليه على قدر بُعده عن طبعه، وفيه مشقة وحرج. ولذا قال تعالى : ولا تُضاروهن لتُضيقوا عليهن لئلا تمل وترجع من حيث جاءت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :" لا يكن أحدكم كالمُنْبَت، فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " ١، نعم مخالفة طبعها في حب الظهور والجاه، أو حب الدنيا، واجب حتماً لا رخصة فيه، وهذه سيرة أشياخنا رضي الله عنهم لا يُضيقون على المريد في جوع ولا عطش، ولا كثرة رياضة، وإنما يأمرونه بالخمول وتخريب الظاهر والزهد التام، والورع الكامل، فقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي الحسني رضي الله عنه يقول : سُدُّوا باب الطمع، وافتحوا باب الورع، واللهِ إن فعلتم ذلك حتى يستولي باطنكم على ظاهركم. هـ. أي : تستولي المعاني على الحس، فيتحقق الشهود الكامل. وكان أيضاً يقول : نحن لسنا مع جوعٍ ولا مع شبعة، نحن مع الله. هـ. أي : غائبون عن الجوع والشبع في ذكر الله وشهوده.
وإن كن أُولات حَمل، أي : ثقل من كثرة العلائق، فأنْفِقوا عليهن من الواردات الإلهية بصُحبة الرجال، حتى تصادم تلك العلائق، فتهدمها، فتضع الحمل عنها، فإن أرْضَعْن لكم، بأن تهذبت ورجعت روحانيةً تأتيك بالعلوم التي يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة، فآتوهن أجورهن من البرّ بها والرفق، وائتمروا بينكم بمعروف، فتُؤمر أنت بالإحسان إليها، وتُؤمر هي بالطاعة لك، وإن تعاسرتم، بأن ضعفت هِمتكم، وقلّت أمدادكم، بعدم صحبة أهل الإمداد، فستُرضع له نفس أخرى، أي : فليتخذ شيخاً كاملاً يُرضع له نفسه من ثدي أسرار العلوم والمعارف، ولذلك قيل : مَن لا شيخ له فالشيطان شيخه، لِيُنفق ذو سعة من سعته، وهم الواصلون العارفون، يُنفقون من سعة علومهم وأسرارهم، على المريدين الذين استرضعوهم، ومَن قُدر عليه رزقه من المريدين السائرين فليُنفق مما آتاه الله على مَن تعلقَ به من المريدين، لا يُكلف الله نفساً إلاّ ما آتاها، سيجعل الله بعد عُسرٍ وضيقِ في العلوم والأسرار يُسراً، فتتسع عليه العلوم والأسرار بعد التمكين. والله تعالى أعلم.
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى * لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً .
يقول الحق جّل جلاله : أَسْكِنُوهُنَّ أي : المطلَقات من حيثُ سَكَنتم أي : مكاناً من حيث سكنتم، ف " من " للتبعيض، أي : بعض مكانِ سكناكم. قال قتادة : لو لم يكن له إلاّ بيت واحد سكنها في بعض جوانبه. من وُجْدِكُم أي : وُسْعِكم، أي : ما تطيقونه، فهو عطف بيان، أو بدل. قال أبو حيان : لا يُعرف عطف بيان يعاد فيه العامل، إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر، ولذلك أعربه أبو البقاء بدلاً. ه. والوجد، يجوز فيه الضم وهو أشهر والفتح والكسر.
قال ابن جزي : فأمّا المطلقات غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السُكُنَى والنفقة اتفاقاً، وأمّا المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال، أحدها : أنها يجب لها السكنى دون النفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني : أنها يجب لها السكنى والنفقة، وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث : أنها ليس لها سُكنى ولا نفقة، وهو قول محمد، وثابت البناني، وأُبي بن كعب. فحُجة مالك : حديث فاطمة بنت قيس، وهو أنَّ زوجها طلَّقها البتَّةَ، فقال لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :" ليس لك عليه نفقة " ١، فيؤخذ منه : أنَّ لها السُكْنى، وحُجة مَن أوجب لها السكنى والنفقة : قول عمر بن الخطاب : لا ندع آيةً من كتاب الله ربنا لقول امرأة، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لها السُكْنَى والنفقة " ٢، وحجة مَن لم يجعل لها سكنى ولا نفقة : أنَّ في بعض الروايات عنها أي : فاطمة بنت قيس أنها قالت :" لم يجعل لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سُكْنَى " ٣.
ولا تُضارُّوهُنَّ في السُّكْنَى لِتُضيِّقُوا عليهن ويُلجأن إلى الخروج، وإِن كن أي : المطلقات أُولات حملٍ فأَنفِقوا عليهن حتى يضعنَ حَملَهن فيخرجن من العِدّة. قال ابن جزي : اتفق العلماء على وجوب النفقة في العِدّة للمطلقة، عملاً بالآية، سواء كان الطلاق رجعيًّا أو بائناً. واتفقوا أنَّ للمطلقة غير الحامل النفقة والسُكْنى في العِدّة إذا كان الطلاق رجعيًّا، فإن كان بائناً فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه، وأمّا المتوفَّى عنها إذا كانت حاملاً فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا أنَّ هذه الآية إنما هي في المطلقات. وقال قوم : لها النفقة في التركة. ه.
فإنْ أرضعنَ لكم هؤلاء المطلقات أولادَكم فآتوهن أجورَهُنَّ أي : أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن المُفصل في كتب الفقه. وأْتَمِرُوا بينكم بمعروفٍ ، خطاب للرجال والنساء، أي : يأمر كلُّ واحد منكم صاحبَه بخيرٍ ؛ من المسامحة والرفق والإحسان، ولا يكن من الأب مماكسة، ومن الأم معاسرة، أو : تشاوروا بينكم على التراضي في الأجرة، ومنه : إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ [ القصص : ٢٠ ]. وإِن تعاسَرتمْ ؛ تضايقتم، فلم ترضَ الأمّ بما ترضع به الأجنبية، فستُرضِعُ له أخرى ؛ فستُوجد مرضعةٌ أخرى، غير متعاسرة، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. والمعنى : إن تشططت الأمّ على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيراً، فللأب أن يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق إلاّ ألاَّ يَقبل الولدُ غيرها، فتُجبر على رضاعة بأجرة المثل.
وإن كن أُولات حَمل، أي : ثقل من كثرة العلائق، فأنْفِقوا عليهن من الواردات الإلهية بصُحبة الرجال، حتى تصادم تلك العلائق، فتهدمها، فتضع الحمل عنها، فإن أرْضَعْن لكم، بأن تهذبت ورجعت روحانيةً تأتيك بالعلوم التي يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة، فآتوهن أجورهن من البرّ بها والرفق، وائتمروا بينكم بمعروف، فتُؤمر أنت بالإحسان إليها، وتُؤمر هي بالطاعة لك، وإن تعاسرتم، بأن ضعفت هِمتكم، وقلّت أمدادكم، بعدم صحبة أهل الإمداد، فستُرضع له نفس أخرى، أي : فليتخذ شيخاً كاملاً يُرضع له نفسه من ثدي أسرار العلوم والمعارف، ولذلك قيل : مَن لا شيخ له فالشيطان شيخه، لِيُنفق ذو سعة من سعته، وهم الواصلون العارفون، يُنفقون من سعة علومهم وأسرارهم، على المريدين الذين استرضعوهم، ومَن قُدر عليه رزقه من المريدين السائرين فليُنفق مما آتاه الله على مَن تعلقَ به من المريدين، لا يُكلف الله نفساً إلاّ ما آتاها، سيجعل الله بعد عُسرٍ وضيقِ في العلوم والأسرار يُسراً، فتتسع عليه العلوم والأسرار بعد التمكين. والله تعالى أعلم.
١ أخرجه مسلم في الطلاق حديث ٣٦..
٢ أخرجه مسلم في الطلاق حديث ٤٦..
٣ أخرجه مسلم في الطلاق حديث ٤٢..
٢ أخرجه مسلم في الطلاق حديث ٤٦..
٣ أخرجه مسلم في الطلاق حديث ٤٢..
آية رقم ٧
الإشارة : أسكِنوا نفوسَكم من حيث سكنتم بها قبل التوجه، فينبغي للمريد أن يسايس نفسه شيئاً فشيئاً، حتى يغيب عنها في شهود الحق، من غير تشديدٍ في إخراجها عن طبعها بالكلية، فإنها حينئذٍ تَملّ وتكِلّ، فقد قيل : مَن سار إلى الله بموافقة طبعه كان الوصول إليه أقرب إليه من طبعه، ومَن سار إلى الله بمخالفة طبعه كان الوصول إليه على قدر بُعده عن طبعه، وفيه مشقة وحرج. ولذا قال تعالى : ولا تُضاروهن لتُضيقوا عليهن لئلا تمل وترجع من حيث جاءت، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :" لا يكن أحدكم كالمُنْبَت، فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى " ١، نعم مخالفة طبعها في حب الظهور والجاه، أو حب الدنيا، واجب حتماً لا رخصة فيه، وهذه سيرة أشياخنا رضي الله عنهم لا يُضيقون على المريد في جوع ولا عطش، ولا كثرة رياضة، وإنما يأمرونه بالخمول وتخريب الظاهر والزهد التام، والورع الكامل، فقد سمعت شيخ شيخنا مولاي العربي الدرقاوي الحسني رضي الله عنه يقول : سُدُّوا باب الطمع، وافتحوا باب الورع، واللهِ إن فعلتم ذلك حتى يستولي باطنكم على ظاهركم. هـ. أي : تستولي المعاني على الحس، فيتحقق الشهود الكامل. وكان أيضاً يقول : نحن لسنا مع جوعٍ ولا مع شبعة، نحن مع الله. هـ. أي : غائبون عن الجوع والشبع في ذكر الله وشهوده.
وإن كن أُولات حَمل، أي : ثقل من كثرة العلائق، فأنْفِقوا عليهن من الواردات الإلهية بصُحبة الرجال، حتى تصادم تلك العلائق، فتهدمها، فتضع الحمل عنها، فإن أرْضَعْن لكم، بأن تهذبت ورجعت روحانيةً تأتيك بالعلوم التي يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة، فآتوهن أجورهن من البرّ بها والرفق، وائتمروا بينكم بمعروف، فتُؤمر أنت بالإحسان إليها، وتُؤمر هي بالطاعة لك، وإن تعاسرتم، بأن ضعفت هِمتكم، وقلّت أمدادكم، بعدم صحبة أهل الإمداد، فستُرضع له نفس أخرى، أي : فليتخذ شيخاً كاملاً يُرضع له نفسه من ثدي أسرار العلوم والمعارف، ولذلك قيل : مَن لا شيخ له فالشيطان شيخه، لِيُنفق ذو سعة من سعته، وهم الواصلون العارفون، يُنفقون من سعة علومهم وأسرارهم، على المريدين الذين استرضعوهم، ومَن قُدر عليه رزقه من المريدين السائرين فليُنفق مما آتاه الله على مَن تعلقَ به من المريدين، لا يُكلف الله نفساً إلاّ ما آتاها، سيجعل الله بعد عُسرٍ وضيقِ في العلوم والأسرار يُسراً، فتتسع عليه العلوم والأسرار بعد التمكين. والله تعالى أعلم.
وإن كن أُولات حَمل، أي : ثقل من كثرة العلائق، فأنْفِقوا عليهن من الواردات الإلهية بصُحبة الرجال، حتى تصادم تلك العلائق، فتهدمها، فتضع الحمل عنها، فإن أرْضَعْن لكم، بأن تهذبت ورجعت روحانيةً تأتيك بالعلوم التي يرتضع منها القلب باليقين والمعرفة، فآتوهن أجورهن من البرّ بها والرفق، وائتمروا بينكم بمعروف، فتُؤمر أنت بالإحسان إليها، وتُؤمر هي بالطاعة لك، وإن تعاسرتم، بأن ضعفت هِمتكم، وقلّت أمدادكم، بعدم صحبة أهل الإمداد، فستُرضع له نفس أخرى، أي : فليتخذ شيخاً كاملاً يُرضع له نفسه من ثدي أسرار العلوم والمعارف، ولذلك قيل : مَن لا شيخ له فالشيطان شيخه، لِيُنفق ذو سعة من سعته، وهم الواصلون العارفون، يُنفقون من سعة علومهم وأسرارهم، على المريدين الذين استرضعوهم، ومَن قُدر عليه رزقه من المريدين السائرين فليُنفق مما آتاه الله على مَن تعلقَ به من المريدين، لا يُكلف الله نفساً إلاّ ما آتاها، سيجعل الله بعد عُسرٍ وضيقِ في العلوم والأسرار يُسراً، فتتسع عليه العلوم والأسرار بعد التمكين. والله تعالى أعلم.
آية رقم ٨
ثم هدد من تعدى الحدود، فقال :
وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُواْ اللَّهَ يا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً .
يقول الحق جلّ جلاله : وكَأَيِّن من قريةٍ أي : كثير من أهل قرية عَتَتْ ؛ أعرضت عن أمر ربها ورُسلِه أي : عن طاعتهما على وجه العتوّ والعناد، فحاسبناها حِساباً شديداً بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير، وعذَّبناها عذاباً نُكراً ؛ منكراً فظيعاً، والمراد : إمّا عذاب الآخرة، والتعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه، أو عذاب الدنيا، وهو أرجح ؛ لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعدُ بقوله : أعدّ اللهُ لهم عذاباً شديداً... الخ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : وكأيّن من قريةٍ من قرى القلوب عتت عن أمر ربها ؛ عن تحمُّل أعباء العبودية ؛ لأنّ القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عَتَا وتَكَبَّر، وقد حكم اللهُ تعالى بالطبع على القلب المتكبّر، بقوله : كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ [ غافر : ٣٥ ] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل : الواردات القهرية، فالقلب أيضاً شأنه الفرار منها ؛ لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها، وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبِّرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب : القلوب الصافية، أي : دُوموا على تقواكم، واحْذروا مما حلّ بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكراً، أي : مذكِّراً، رسولاً بعثه الله خليفةَ رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي : شواهده الموصِّلة إليه، ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومَن يُؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، ( ويعمل صالحاً ) يُعرض عما سوى الله، يُدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن اللهُ له رزقاً لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام : وكذلك أرزاقُ القلوب ـ أي : تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ـ ثم قال : وحسنها : أن يكون له من الأحوال ما يشتغلُ به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذّب بتعطُّشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خَطَرٍ من مغاليط لا يَخْرُجُ منها إلاّ بتأييدٍ من الله سماويٍّ. هـ.
وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُواْ اللَّهَ يا أُوْلِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً .
يقول الحق جلّ جلاله : وكَأَيِّن من قريةٍ أي : كثير من أهل قرية عَتَتْ ؛ أعرضت عن أمر ربها ورُسلِه أي : عن طاعتهما على وجه العتوّ والعناد، فحاسبناها حِساباً شديداً بالاستقصاء والتنقير والمباحثة في كل نقير وقطمير، وعذَّبناها عذاباً نُكراً ؛ منكراً فظيعاً، والمراد : إمّا عذاب الآخرة، والتعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه، أو عذاب الدنيا، وهو أرجح ؛ لأنه سيذكر عذاب الآخرة بعدُ بقوله : أعدّ اللهُ لهم عذاباً شديداً... الخ.
آية رقم ٩
فذاقت وَبَالَ أمرِها أي : وخامة شأنها، وعقوبة فعلها. قال في الصحاح : الوَبَلَة بالتحريك : الثِقَّلُ والوخَامةُ، وقد وَبُل المرتعُ بالضم وَبْلاً ووَبَالاً، فهو وَبيلٌ، أي : وخِيمٌ. ه. وفي القاموس : وبُلَ ككَرُمَ وبَالةً ووبالاً ووبُولاً، وأرض وَبِيلَةٌ : وخيمةُ المرتَعِ. ه. وكان عاقبةُ أمرها خُسراً أي : خساراً وهلاكاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : وكأيّن من قريةٍ من قرى القلوب عتت عن أمر ربها ؛ عن تحمُّل أعباء العبودية ؛ لأنّ القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عَتَا وتَكَبَّر، وقد حكم اللهُ تعالى بالطبع على القلب المتكبّر، بقوله : كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ [ غافر : ٣٥ ] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل : الواردات القهرية، فالقلب أيضاً شأنه الفرار منها ؛ لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها، وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبِّرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب : القلوب الصافية، أي : دُوموا على تقواكم، واحْذروا مما حلّ بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكراً، أي : مذكِّراً، رسولاً بعثه الله خليفةَ رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي : شواهده الموصِّلة إليه، ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومَن يُؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، ( ويعمل صالحاً ) يُعرض عما سوى الله، يُدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن اللهُ له رزقاً لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام : وكذلك أرزاقُ القلوب ـ أي : تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ـ ثم قال : وحسنها : أن يكون له من الأحوال ما يشتغلُ به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذّب بتعطُّشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خَطَرٍ من مغاليط لا يَخْرُجُ منها إلاّ بتأييدٍ من الله سماويٍّ. هـ.
آية رقم ١٠
أعدَّ اللهُ لهم في الآخرة عذاباً شديداً ، وعلى أنَّ الكل في الآخرة يكون هذا تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً، كأنه قال : أعدّ الله لهم هذا العذاب الشديد، فاتقوا اللهَ يا أُولي الألبابِ في مخالفة أمره، واحذروا ما حلّ بمَن طغى وعتا. وأولو الألباب هم أهل العقول الصافية، ثم فسَّرهم بقوله : الذين آمنوا إيماناً خالصاً من شوائب الشرك والشك، فالموصول عطف بيان لأولي الألباب، أو نعت، أو منصوب بأعِني، قد أنزل اللهُ إِليكم ذكراً أي : القرآن.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : وكأيّن من قريةٍ من قرى القلوب عتت عن أمر ربها ؛ عن تحمُّل أعباء العبودية ؛ لأنّ القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عَتَا وتَكَبَّر، وقد حكم اللهُ تعالى بالطبع على القلب المتكبّر، بقوله : كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ [ غافر : ٣٥ ] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل : الواردات القهرية، فالقلب أيضاً شأنه الفرار منها ؛ لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها، وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبِّرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب : القلوب الصافية، أي : دُوموا على تقواكم، واحْذروا مما حلّ بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكراً، أي : مذكِّراً، رسولاً بعثه الله خليفةَ رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي : شواهده الموصِّلة إليه، ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومَن يُؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، ( ويعمل صالحاً ) يُعرض عما سوى الله، يُدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن اللهُ له رزقاً لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام : وكذلك أرزاقُ القلوب ـ أي : تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ـ ثم قال : وحسنها : أن يكون له من الأحوال ما يشتغلُ به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذّب بتعطُّشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خَطَرٍ من مغاليط لا يَخْرُجُ منها إلاّ بتأييدٍ من الله سماويٍّ. هـ.
آية رقم ١١
الإشارة : وكأيّن من قريةٍ من قرى القلوب عتت عن أمر ربها ؛ عن تحمُّل أعباء العبودية ؛ لأنّ القلب لا يحب إلا العلو والغنى والراحة، فإذا أراد العبد أن ينزل إلى الخمول والذل والفقر والتعب عَتَا وتَكَبَّر، وقد حكم اللهُ تعالى بالطبع على القلب المتكبّر، بقوله : كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ [ غافر : ٣٥ ] في قراءة الإضافة، والمراد بالرسل : الواردات القهرية، فالقلب أيضاً شأنه الفرار منها ؛ لأنها تهدم عليه عوائده، وحسابه تعالى لها إحصاؤه لخواطرها، وعتابه عليها، وتعذيبه بالجزع والهلع، والحرص والطمع، وغم الحجاب وسوء الحساب، فهذا وبال القلوب المتكبِّرة على الله، وعلى أولياء الله، وعاقبتها حرمان نعيم الحضرة، ونسيم القربة. فاتقوا الله يا أولي الألباب : القلوب الصافية، أي : دُوموا على تقواكم، واحْذروا مما حلّ بالقلوب الخاربة، الذين آمنوا إيمان الخصوص، قد أنزل الله إليكم ذكراً، أي : مذكِّراً، رسولاً بعثه الله خليفةَ رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو الشيخ الداعي إلى الله، يتلو عليكم آياته، أي : شواهده الموصِّلة إليه، ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، وهي آداب العبودية، من ظلمات الجهل والغفلة، وحس الكائنات إلى نور العيان، ومَن يُؤمن بالله، ويثق به في جميع أموره، ( ويعمل صالحاً ) يُعرض عما سوى الله، يُدخله جنات المعارف، يخلد فيها، قد أحسن اللهُ له رزقاً لقلبه وروحه وسره، من العلوم والمعارف والأسرار. قال القشيري بعد كلام : وكذلك أرزاقُ القلوب ـ أي : تكون على حد الكفاية، من غير زيادة ولا نقصان ـ ثم قال : وحسنها : أن يكون له من الأحوال ما يشتغلُ به في الوقت من غير نقصان يجعله يتعذّب بتعطُّشه، ولا تكون بزيادة، فيكون على خَطَرٍ من مغاليط لا يَخْرُجُ منها إلاّ بتأييدٍ من الله سماويٍّ. هـ.
آية رقم ١٢
الإشارة : سموات الأرواح سبع طبقات، تعرج فيها إلى عرش الحضرة. سماء التوبة، ثم سماء الصبر، ثم سماء الورع والزهد، ثم سماء الرضا والتسليم، ثم سماء المحبة، ثم سماء المراقبة، ثم سماء المشاهدة، ثم الاستواء على عرش الحضرة، في حضرة الأسرار. وأرض العبودية سبع أيضاً، وبالتنزُّل فيها تهوي النفس إلى عرش إبليس، في حضرة الفرق، وبالخروج عنها تعرج في سماوات الأرواح، وهي أرض الشهوة، ثم أرض الغفلة، ثم أرض حب الدنيا، ثم أرض حب العلو والجاه، ثم أرض هَم الرزق وخوف الفقر، ثم أرض التدبير والاختيار، ثم أرض الغضب والحقد والحسد، فبهذه الأخلاق المذمومة يهوي العبد إلى أسفل سافلين. فإذا ترقّى عن هذه الأرضين، وسما في سماء الأرواح، يتنزّل على قلبه الوحي الإلهامي، والكشف الرباني. قال تعالى : يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أنّ الله على كل شيءٍ قدير ، أي : ليحصل لكم العلم الحقيقي بقدرة الله وعلمه وإحاطة ذاته.
قال الورتجبي : لو كانت للأشباح قيمة في المعرفة كالأرواح لم يخاطبها بالعلل والاستدلال، لتعلم برؤية الأشياء وجود الحق، وكانت كالأرواح في الخطاب بلا عِلّة في تعريف نفسه إياها بقوله : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : ١٧٢ ] هناك خطاب وشهود وتعريف بلا عِلّة، فلما عَلِمَ عجزها عن حمل واردات الخطاب الصِّرف أحالها إلى الشواهد، وليس بعارفٍ في الحقيقة مَن عرفه بشيءٍ من الأشياء، وسببٍ من الأسباب، فمَن نظر إلى خلق الكون يعرف أنه ذو قدرة واسعة وإحاطة شاملة، يخاف من قهره، ويذوب قلبه بعلمه في رؤية اطلاع الحق تعالى عليه. هـ. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
قال الورتجبي : لو كانت للأشباح قيمة في المعرفة كالأرواح لم يخاطبها بالعلل والاستدلال، لتعلم برؤية الأشياء وجود الحق، وكانت كالأرواح في الخطاب بلا عِلّة في تعريف نفسه إياها بقوله : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : ١٧٢ ] هناك خطاب وشهود وتعريف بلا عِلّة، فلما عَلِمَ عجزها عن حمل واردات الخطاب الصِّرف أحالها إلى الشواهد، وليس بعارفٍ في الحقيقة مَن عرفه بشيءٍ من الأشياء، وسببٍ من الأسباب، فمَن نظر إلى خلق الكون يعرف أنه ذو قدرة واسعة وإحاطة شاملة، يخاف من قهره، ويذوب قلبه بعلمه في رؤية اطلاع الحق تعالى عليه. هـ. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
12 مقطع من التفسير