جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِذْ تَأَذّنَ رَبّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
يقول جلّ ثناؤه : واذكروا أيضا حين آذنكم ربكم. وتأذّن : تفعّل من أذن، والعرب ربما وضعت «تفعّل » موضع «أفعل »، كما قالوا : أوعدته وتوعدته بمعنى واحد، وآذن : أعلم، كما قال الحارث بن حِلّزة :
| آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسمْاءُ | رُبّ ثاوٍ يُمَلّ مِنْهُ الثّوَاءُ |
وذُكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ وَإذْ تَأذّنَ رَبّكُمْ «وإذ قال ربكم ».
حدثني بذلك الحارث، قال : ثني عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش عنه حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وبه، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإذْ تَأذّنَ رَبّكُمْ : وإذ قال ربكم ذلك التأذّن.
وقوله : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنّكُمْ يقول : لئن شكرتم ربكم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم لأزيدنكم في أياديه عندكم ونعمه عليكم على ما قد أعطاكم من النجاة من آل فرعون والخلاص من عذابهم. وقيل في ذلك قول غيره، وهو ما :
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا الحسن بن الحسن، قال : أخبرنا ابن المبارك، قال : سمعت عليّ بن صالح، يقول في قول الله عزّ وجلّ : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنّكم قال : أي من طاعتي.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا ابن المبارك قال : سمعت عليّ بن صالح، فذكر نحوه.
حدثني أحمد بن إسحاق، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان : لئنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنّكُمْ قال : من طاعتي.
حدثني الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا مالك بن مغول، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، في قوله : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزيدَنّكُمْ قال : من طاعتي.
ولا وجه لهذا القول يفهم، لأنه لم يجر للطاعة في هذا الموضع ذكر، فيقال : إن شكرتموني عليها زدتكم منها، وإنما جرى ذكر الخبر عن إنعام الله على قوم موسى بقوله : وَإذْ قالَ مُوسَى لقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ ثم أخبرهم أن الله أعلمهم إن شكروه على هذه النعمة زادهم، فالواجب في المفهوم أن يكون معنى الكلام : زادهم من نعمه، لا مما لم يجر له ذكر من الطاعة، إلا أن يكون أريد به : لئن شكرتم فأطعتموني بالشكر لأزيدنكم من أسباب الشكر ما يعينكم عليه، فيكون ذلك وجها.
وقوله : وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ يقول : ولئن كفرتم أيها القوم نعمة الله، فجحدتموها، بترك شكره عليها، وخلافه في أمره ونهيه وركوبكم معاصيَه إنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ : أعذّبكم كما أعذّب من كفر بي من خلقي. وكان بعض البصريين يقول في معنى قوله : وَإذْ تَأذّنَ رَبّكُمْ وتأذّن ربكم. ويقول :«إذ » من حروف الزوائد. وقد دللنا على فساد ذلك فيما مضى قبل.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: واذكروا أيضًا حين آذنكم رَبُّكم.
* * *
= و"تأذن"، "تفعَّل" من "آذن". والعرب ربما وضعت "تفعَّل" موضع "أفعل"، كما قالوا: " أوعدتُه " "وتَوعَّدته"، بمعنى واحد. و"آذن"، أعلم، (١) كما قال الحارث بن حِلِّزة:
| آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ | رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ (٢) |
* * *
وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ: (وإذ تأذن ربكم) :"وَإِذْ قَالَ رَبُّكُمْ ":-
٢٠٥٨٣- حدثني بذلك الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش عنه. (٣)
٢٠٥٨٤- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: (وإذ تأذن ربكم)، وإذ قال ربكم، ذلك "التأذن".
* * *
وقوله: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، يقول: لئن شكرتم ربَّكم، بطاعتكم إياه
(٢) مطلع طويلته المشهورة، انظر شرح القصائد السبع لابن الأنباري: ٤٣٣.
(٣) الأثر: ٢٠٥٨٣ - " الحارث "، هو " الحارث بن أبي أسامة " منسوبًا إلى جده، وهو " الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي "، شيخ الطبري، ثقة، سلف مرارًا آخرها رقم: ١٤٣٣٣.
و" عبد العزيز "، هو " عبد العزيز بن أبان الأموي "، كذاب خبيث يضع الأحاديث، مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم ١٤٣٣٣.
* * *
وقيل في ذلك قولٌ غيره، وهو ما:-
٢٠٥٨٥- حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا الحسين بن الحسن قال، أخبرنا ابن المبارك قال، سمعت علي بن صالح، يقول في قول الله عز وجل: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، قال: أي من طاعتي.
٢٠٥٨٦- حدثنا المثنى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت علي بن صالح، فذكر نحوه.
٢٠٥٨٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، قال: من طاعتي.
٢٠٥٨٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مالك بن مغول، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن، في قوله: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، قال: من طاعتي.
* * *
قال أبو جعفر: ولا وجهَ لهذا القول يُفْهَم، لأنه لم يجرِ للطاعة في هذا الموضع ذكرٌ فيقال: إن شكرتموني عليها زدتكم منها، وإنما جَرَى ذكر الخبر عن إنعام الله على قوم موسى بقوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)، ثم أخبرهم أن الله أعلمهم إن شكروه على هذه النعمة زادهم. فالواجب في المفهوم أن يكون معنى الكلام: زادهم من نعمه، لا مما لم يجرِ له ذكر من "الطاعة"، إلا أن يكون أريد به: لئن شكرتم فأطعتموني بالشكر، لأزيدنكم من أسباب الشكر ما يعينكم عليه، فيكون ذلك وجهًا.