يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن يعني مهورهن لان المهر أجر على البضع وتقييد الإحلال له بإعطائها إنما هو خرج على حسب الواقع ومخرج عادة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يعطهن مهورهن معجلة أولا يثار الأفضل ولا مفهوم له إجماعا وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك يعني رد عليك من الكفار بأن تسبي فتملك مثل صفية وجويرية وهذا القيد ليس للاحتراز أيضا ولا مفهوم لها عند القائلين بالمفهوم لأن مارية أم إبراهيم لم تكن مسبية بل كانت مما أهدي إليه مقوقس وبنات عمك وبنات عماتك يعني نساء قريش وبنات خالك وبنات خالتك يعني نساء بني زهرة التي هاجرن معك وكلمة مع للموافقة في نفس الفعل لا بحسب الزمان كما في قوله تعالى } أسلمت مع سليمان ١ والمراد المهاجرات مطلقا قال البغوي فمن لم يهاجر منهن لم يجز نكاحها أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس عن أم هانىء بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة خطبني فاعتذرت إليه فعذرني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أكن من المهاجرات وكنت من الطلقاء٢ وروى ابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح عن أم هاني قالت نزلت في هذه الآية وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك التي هاجرن معك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني فنهي عني إذا لم أهاجر قال البغوي ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل وقيل المراد بالهجرة الإسلام أي أسلمن معك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ٣ رواه البخاري وبتأويلهم ذلك يدل على أنه لم يكن نكاح غير المسلمة من اليهودية والنصرانية حلالا له عليه الصلاة والسلام وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي قال البغوي فأما غير المؤمنة فلا تحل له إذا وهبت نفسها له واختلفوا في أنه هل كان حلالا له نكاح اليهودية والنصرانية بالمهر فذهب جماعة إلى أنه لا يحل له ذلك لقوله تعالى : وامرأة مؤمنة وقد ذكرنا تأويل بعضهم قوله تعالى اللاتي هاجرن معك بالإسلام شرط مستغن عن الجزاء بما مضى وقوله وامرأة منصوب بفعل فسره ما قبله يعني ونحل لك امرأة مؤمنة أو عطف على ما سبق ولا يدفعه التقييد بأن التي للاستقبال فإن معنى الإحلال إن اتفق ولذلك نكرها إن أراد النبي أن يستنكحها شرط للشرك الأول معنى تقديره إن أراد النبي أن يستنكح الواهبة نفسها أحللنا له إن وهبت نفسها فإن هبتها نفسها شرط للنكاح فإنها بمنزلة الإيجاب منها لا توجب له حلها ما لم يرد النبي نكاحها فإنها جارية مجرى القبول بها يتم النكاح فالحل موقوف على كلا الشرطين وهما شطر العلة أي النكاح والعدول من الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي مكررا ثم الرجوع إليه بقوله خالصة لك من دون المؤمنين حيث يجب عليهم المهر بالوطء أو الموت وإن لم يذكر إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاق الكرامة لأجله وخالصة مصدر مؤكد على وزن عافية أي خلص إحلال ما أحللنا لك على القيود المذكورة خلوصا لك وهذا التأويل إنما يتصور إذا كانت القيود احترازية والظاهر أنه حال من الضمير في وهبت والمعنى أنه وهبت حال كونها خالصة لك بلا مهر أو صفة لمصدر محذوف أي هبة خالصة أخرج ابن سعد عن عكرمة في قوله تعالى وامرأة مؤمنة الآية قال نزلت في أم شريك الدوسية وأخرج ابن سعد عن منير بن عبد الله الدوسي أن أم شريك عزية بنت جابر بن حكيم الدوسي عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم وكانت جميلة فقلبها فقالت عائشة ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير قالت أم شريك فأنا تلك فسماها الله مؤمنة فقال : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي فلما نزلت هذه الآية قالت عائشة إن الله يسرع لك في هواك.
أخرج ابن سعد عن أبي رزين قال : هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه فلما رأين ذلك جعلنه في حل من أنفسهن يؤثر من يشاء على من يشاء منهن فأنزل الله تعالى : إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله ترجي من تشاء منهن الآية وقوله تعالى : خالصة لك من دون المؤمنين يدل على أنه كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن ينعقد النكاح في حقه بغير مهر وذلك هو المراد بقوله تعالى : إن وهبت نفسها للنبي يعني إن زوجت نفسها بغير مهر كما أن الزيادة على أربع من النساء كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقيل هذه الآية تدل على أن انعقاد حال نكاح بلفظ الهبة كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز ذلك لغيره قال البغوي وهو قول سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء وبه قال ربيعة ومالك والشافعي قالوا لا ينعقد النكاح لغير النبي صلى الله عليه وسلم إلا بلفظ النكاح والتزويج قلت وبه قال أحمد وذكر في ترجمة الآية في اختلاف الأئمة قول أحمد أنه ينعقد النكاح بلفظ الهبة مع ذكر المهر وقال أبو حنيفة انعقاد النكاح بلفظ الهبة ليس من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم بل يجوز نكاح كل أحد بلفظ الهبة والبيع والصدقة والتمليك وكل لفظ وضع لتمليك العين مؤبدا ولا يجوز بلفظ الإجارة والإعارة وقال الكرخي يجوز بلفظ الإجارة والإعارة أيضا لأن الثابت بهما تمليك المنفعة وذلك في النكاح أيضا وقد أطلق الله سبحانه لفظ الأجرة على المهر حيث قال أزواجك التي آتيت أجورهن قلنا الإجارة والإعارة ليسا سببين لملك المتعة فلا طريق للاستعارة هناك ولا بلفظ الوصية لأنها توجب الملك مضافا على ما بعد الموت وعن الطحاوي أنه ينعقد لأنه يثبت به ملك الرقبة في الجملة وعن الكرخي أنه قيد الوصية بالحال فإن قال أوصيت لك بنتي هذه الآن ينعقد لأنه صار به مجازا عن التمليك قلنا : الإضافة مأخوذ في مفهوم الوصية وعدمه في النكاح فيتضادان وقال قوم لا ينعقد النكاح إلا بلفظ النكاح أو التزويج في حق النبي صلى الله عليه وسلم أيضا كما لا يصح في حق الأمة لقوله تعالى : إن أراد النبي أن يستنكحها وإنما أطلق لفظ الهبة في الآية على النكاح مجازا.
قال البيضاوي محتجا بهذه الآية على مذهب الشافعي أن اللفظ تابع للمعنى وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى إجماعا وهذا القول غير سديد فإن جواز إطلاق لفظ الهبة في النكاح إنما هو بطريق المجاز ولا وجه لتخصيص التكلم بالمجاز بحضرة الرسالة صلى الله عليه وسلم والنكاح يصلح أن يكون معنى مجازيا للفظ الهبة ولا اختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لمعناه المجازي فإن قيل معناه الحقيقي غير مراد في الآية البتة لان المعنى الحقيقي للهبة تمليك العين وهو غير مراد بل المراد تمليك البضع بغير عوض فإذا اختص به معناه المجازي واللفظ تابع للمعنى فلا يجوز لغيره صلى الله عليه وسلم النكاح بلفظ الهبة مجازا قلنا المعنى المجازي للهبة غير منحصر في تمليك البضع بغير عوض بل يجوز أن يطلق لفظ الهبة وأريد به تمليك البضع مطلقا سواء كان بعوض أو بغير عوض وقال ابن همام إنما الكلام في تحقق طريق المجاز فنفاه الشافعي بناء على انتفاء ما يجوز به التجوز إما إجمالا فلأنه لو وجد لصح أن يتجوز بلفظ كل منهما عن الآخر بأن يقال نكحتك هذا الثوب مرادا به وهبتك أو ملكتك وليس فليس وإما تفصيلا فلأن التزويج هو التلفيق وضعا والنكاح الضم ولا ضم ولا ازدوج في المالك والمملوك ولذا يفسد النكاح عند ورود ملك أحد الزوجين على الآخر ولو كان لم ينافه تأكد به ولنا على الشافعي أولا النقص الإجمالي وهو أنه لولا العلاقة المصححة للمجاز بين الهبة والنكاح لما جاز نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة وذلك جائز ولما ثبت العلاقة المصححة للمجاز بينهما وبين النكاح بلا عوض ثبت بينها وبين مطلق النكاح أيضا لوجود الأعم في ضمن الأخص وثانيا أن معنى الحقيقي للهبة تمليك العين وتمليك العين سبب لملك المتعة في محلها بواسطة ملك الرقبة وملك المتعة في محلها هو الثابت بالنكاح والسببية طريق المجاز وأما عدم جواز إستعارة النكاح لتمليك العين فلما ذكر في الأصول أنه لا يجوز استعارة اسم المسبب للسبب عندنا إلا إذا كان المقصود من السبب شرعيته كالبيع لملك الرقبة وليس ملك المتعة الذي هو موجب النكاح هو المقصود من التمليك بل ملك الرقبة وقوله لا ضم ولا ازدواج بين المالك والمملوك ممنوع والله أعلم.
قال البغوي اختلفوا في أنه هل كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له قال ابن عباس ومجاهد لم تكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين وقوله إن وهبت نفسها للنبي على طريق الشرط والجزاء وقال آخرون كانت عنده منهن قال الشعبي هي زينب بنت خزيمة الأنصارية يقال لها أم المساكين وقال قتادة ميمونة بنت الحارث وقال علي بن الحسين عليهما السلام والضحاك ومقاتل هي أم شريك بنت جابر من بني أسد أخرج ابن سعد وابن أبي شبية وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن علي بن الحسين وابن سعد عن عكرمة أنها أم شريك بنت جابر وقال عروة بن الزبير هي خولة بنت حكيم من بني سليم.
قد علمنا ما فرضنا أي ما أوجبنا عليهم أي على المؤمنين في أزواجهم من شرائط النكاح ووجوب القسم والمهر بالوطيء حيث لم يسم وأن لا يتزوجوا أكثر من أربع وما ملكت أيمانكم بالشراء وغيره بأن يكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية وأن يستبرأ قبل الوطىء وما وسع الله الأمر فيهن في العدد وعدم وجوب القسم والجملة معترضة لكيلا يكون عليك حرج متعلقة بقوله خالصة وكان الله غفورا لما يعسر التحرز عنه رحيما بالتوسعة في رمضان الحرج.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن باب: ومن سورة الأحزاب (٣٢١٣)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده (١٠).
التفسير المظهري
المظهري