ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

عدم الفرض لقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ ومستحبا في صورة الفرض الصحيح لأنه من الفضل المندوب إليه عموما في قوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة ٢/ ٢٣٧].
٩- المتعة: كسوة كاملة،
روى البخاري عن سهل بن سعد وأبي أسيد رضي الله عنهما قالا: «إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أن دخلت عليه صلّى الله عليه وسلّم بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين «١» ».
النساء اللاتي أحلّ الله زواجهن بالنبي صلّى الله عليه وسلّم
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٠ الى ٥٢]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢)

(١) نوع من الثياب مشهور حينئذ.

صفحة رقم 59

الإعراب:
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً منصوب بالعطف على أَزْواجَكَ وعامله: أَحْلَلْنا أو منصوب بتقدير فعل، أي ويحل لك امرأة مؤمنة.
إِنْ وَهَبَتْ بالفتح إما بدل من امْرَأَةً أو على حذف حرف الجر، أي لأن وهبت.
خالِصَةً لَكَ مصدر مؤكد أو حال من ضمير وَهَبَتْ أو صفة لمصدر محذوف، أي هبة خالصة.
لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ متعلق ب أَحْلَلْنا أي أحللنا لك هذه الأشياء، لكيلا يكون عليك حرج، أي ضيق.
وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ كُلُّهُنَّ: مرفوع لأنه تأكيد للضمير الفاعل في يَرْضَيْنَ.
إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ ما: إما مرفوع على البدل من النِّساءُ في قوله تعالى:
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وإما منصوب على أصل الاستثناء، وهو النصب، وما في هذين الوجهين: اسم موصول يفتقر إلى صلة وعائد، فالصلة مَلَكَتْ والعائد محذوف للتخفيف. أو أن تكون ما مصدرية في موضع نصب على الاستثناء المنقطع.
البلاغة:
إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي مكررا، تنويها بشأنه.
المفردات اللغوية:
أُجُورَهُنَّ مهورهن. وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ أي ما كان من الإماء بسبب السبي والغنيمة

صفحة رقم 60

في الحرب كصفية وجويرية. أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ردّه عليك. اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ من مكة إلى المدينة، بخلاف من لم يهاجرن. يَسْتَنْكِحَها أي إرادته أن ينكحها، فإن هبتها نفسها جار مجرى القبول، والاستنكاح: طلب النكاح والرغبة فيه. خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أي خصوصية لك لشرف نبوتك واستحقاقك التكريم، وهو النكاح بلفظ الهبة من غير صداق، وبه احتج الشافعية على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى، وقد خصّ عليه الصلاة والسلام بالمعنى، فيخص باللفظ.
قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ أي على المؤمنين في أزواجهم من الأحكام، من شرائط العقد، ووجوب المهر بالوطء إذا لم يسمّ في العقد، ووجوب القسم بين الزوجات، وألا يزيدوا على أربع نسوة، ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر. وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من الإماء بشراء أو غيره من أصل رقيق لا من الأحرار، وبأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية، بخلاف المجوسية والوثنية، وأن تستبرأ بحيضة قبل الوطء. لِكَيْلا متعلق ب أَحْلَلْنا. حَرَجٌ ضيق ومشقة. وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً فيما يعسر التحرز عنه. رَحِيماً بالتوسعة في مظان الحرج.
تُرْجِي تؤخر من الإرجاء: وهو التأخير، قرئ مهموزا وغير مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر وأرجأته: إذا أخرته. مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي من أزواجك عن نوبتها.
وَتُؤْوِي تضم وتضاجع. ابْتَغَيْتَ طلبت. مِمَّنْ عَزَلْتَ تجنبت، من العزلة: الإزالة والتنحية من القسمة. فَلا جُناحَ عَلَيْكَ لا إثم عليك، في طلبها وضمها إليك. وهذا تيسير على النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد أن كان القسم واجبا عليه. ذلِكَ التخيير. أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ أقرب إلى قرة أعينهن وارتياحهن، وتقرّ: تسرّ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ من أمر النساء والميل إلى بعضهن، فاجتهدوا في الإحسان، وإنما خيرناك يا رسول الله فيهن تيسيرا عليك في كل ما أردت.
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه وبذات الصدور. حَلِيماً لا يعاجل بالعقوبة، فهو حقيق بأن يتقى.
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ من بعد التسع التي اخترنك، وهو في حقه كالأربع في حقنا، أو من بعد اليوم، حتى لو ماتت واحدة، لم يحل له نكاح أخرى. وقرئ: يحل وتحل بالياء والتاء، وعلى قراءة الياء لأن تأنيث الجمع غير حقيقي. وَلا أَنْ تَبَدَّلَ أي تتبدل، بأن تطلقهن كلهن أو بعضهن، ثم تتزوج بدل المطلقة. وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ حسن الأزواج المستبدلة، وهو حال من فاعل تَبَدَّلَ. إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من الإماء، فتحل لك، وهو استثناء من النساء اللاتي يشملن الأزواج والإماء، وقيل: استثناء منقطع، وقد ملك صلّى الله عليه وسلّم بعدهن مارية القبطية، وولدت له إبراهيم ومات في حياته. رَقِيباً مراقبا ومحافظا، فلا تتخطوا ما حدّ لكم.

صفحة رقم 61

سبب النزول:
نزول الآية (٥٠) :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ:
أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عباس عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: خطبني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاعتذرت إليه، فعذرني، فأنزل الله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ إلى قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أم هانئ قالت: نزلت فيّ هذه الآية: وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ. أراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يتزوجني، فنهي عني، إذ لم أهاجر.
وقوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً: أخرج ابن سعد عن عكرمة في قوله:
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً الآية قال: نزلت في أم شريك الدوسية.
وأخرج ابن سعد عن منير بن عبد الله الدؤلي أن أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية عرضت نفسها على النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكانت جميلة، فقبلها، فقالت عائشة: ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك: فأنا تلك، فسماها الله مؤمنة، فقال: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ فلما نزلت هذه الآية، قالت عائشة: إن الله يسرع لك في هواك.
نزول الآية (٥١) :
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ: أخرج الشيخان عن عائشة: أنها كانت تقول: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها! فأنزل الله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ الآية، فقالت عائشة: أرى ربك يسارع لك في هواك.
وأخرج ابن سعد عن أبي رزين العقيلي قال: همّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يطلق

صفحة رقم 62

من نسائه، فلما رأين ذلك، جعلناه في حلّ من أنفسهن، يؤثر من يشاء على من يشاء، فأنزل الله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ الآية.
نزول الآية (٥٢) :
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ:
أخرج ابن سعد عن عكرمة قال: لما خيّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أزواجه اخترن الله ورسوله، فأنزل الله: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ، وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ.
وهذا ما ذكره غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم: أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما تقدم في الآية.
المناسبة:
سبق الكلام في أنكحة المؤمنين وأحكامها، وهنا خصص الكلام لنساء النبي صلّى الله عليه وسلّم اللاتي يحل له نكاحهن، وقصر التحريم عليهن، وتخييره في القسم بين الزوجات دون إلزام، بالمبيت عند من يشاء، وترك البيتوتة عند من يريد، وزواجه بهبة المرأة نفسها له بغير صداق، مما يجري مجرى القبول، وكل من ترك إيجاب القسم والزواج بلفظ الهبة خصوصية للنبي صلّى الله عليه وسلّم دون بقية المؤمنين.
التفسير والبيان:
١- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ذكر الله تعالى في هذه الآية أربع مجموعات أو فئات من النساء اللاتي أباح الله لنبيه الزواج بهن، وهذه هي الفئة الأولى وهي النساء الممهورات، والمعنى: يا أيها الرسول،

صفحة رقم 63

إنا أبحنا لك الأزواج اللاتي أعطيتهن مهورهن، وهي الأجور هنا، والمرأة التي أوتيت مهرها أو صداقها أفضل وأولى ممن لم تأخذ صداقها، فهذه هي الحالة الكاملة التي بدأ النص بها، ويكون الأكمل إيتاء المهر كاملا، دون تأخير شيء منه، وأما تأخير الناس الآن بعض المهر، فهو من مستحدثات العرف، بقصد الحذر، وبسبب التغالي في المهور وتعذر دفع كامل المهر.
وقد كان مهره صلّى الله عليه وسلّم لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونصفا، أي خمس مائة درهم فضة، إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإن النجاشي رحمه الله أمهرها عنه أربع مائة دينار، وإلا صفية بنت حييّ، فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، وكذلك جويريّة بنت الحارث المصطلقية أدى عنها نجوم كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس، وتزوجها.
٢- وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ أي وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وهذه هي الفئة الثانية من النساء، وهي الإماء المملوكات. وقد ملك صلّى الله عليه وسلّم كما بيّنا صفية وجويرية، وريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم إبراهيم، وكانتا من السراري.
٣- وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ أي وأحللنا لك من الأقارب بنات العم، وبنات العمات، وبنات الخال، وبنات الخالة المهاجرات معك، دون غير المهاجرات. وهذه هي الفئة الثالثة التي شرط فيها كون المرأة مهاجرة، ولم تحل له غير المهاجرة كأم هانئ، كما تقدم. والمراد من بنات العم والعمة: القرشيات، فإنه يقال للقرشيين قربوا أم بعدوا: أعمامه صلّى الله عليه وسلّم، ويقال للقرشيات قربن أم بعدن:
عماته، والمراد من بنات الخال والخالة: بنات بني زهرة، وقد كان عند النبي صلّى الله عليه وسلّم ستّ من القرشيات، ولم يكن عنده زهرية.

صفحة رقم 64

والحكمة في إفراد العم مجاراة مألوف العرب بإفراده في حال إضافة الابن والبنت له، وجاء الكلام في الخال على مثاله، وقيل: جاء الكلام في العمة والخالة بالجمع، وإن كانتا مضافين، لمكان تاء الوحدة، وهي تأبى العموم في الظاهر، وأما عدم الجمع في العم والخال فقد جاء على الأصل من إرادة العموم عند الإضافة.
٤- وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أي ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة التي تهب نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك، وهذه هي الفئة الرابعة، وإباحتها بشرطين: هبة نفسها للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ورغبة النبي صلّى الله عليه وسلّم في نكاحها، والزواج بلفظ الهبة من خصوصيات النبي صلّى الله عليه وسلّم دون سائر المؤمنين، فله الزواج بها من غير مهر ولا ولي ولا شهود.
هذه هي الأصناف الأربعة التي أحلها الله لنبيه: الممهورات، والمملوكات، والأقارب، والواهبات أنفسهن من غير مهر. والمراد بالإحلال: الإذن العام بالنكاح. ويلاحظ كما قال ابن عباس ومجاهد: «لم يكن عند النبي صلّى الله عليه وسلّم امرأة موهوبة»، وأما المرأة التي وهبت نفسها له وهي أم شريك الدوسية، فإنها لما قالت للنبي: وهبت نفسي لك، سكت عنها حتى قام رجل، فقال: زوّجنيها يا رسول الله، إن لم تكن لها بها حاجة. وكذلك وهبت نساء أخريات أنفسهن للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ولكن لم يكن عنده صلّى الله عليه وسلّم امرأة وهبت نفسها، أخرج ابن سعد «أن ليلى بنت الحطيم وهبت نفسها للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ووهب نساء أنفسهن، فلم نسمع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل منهن أحدا».
فإن كانت الواهبة نفسها كافرة فلا تحل للنبي صلّى الله عليه وسلّم، قال ابن العربي:
والصحيح عندي تحريمها عليه، وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان من جانب

صفحة رقم 65

الفضائل والكرامة فحظّه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أظهر، فجوز لنا نكاح الحرائر من الكتابيات، وقصر هو لجلالته على المؤمنات، وإذا كان لا يحلّ له من لم يهاجر لنقصان فضل الهجرة، فأحرى ألا تحلّ له الكتابية الحرة، لنقصان الكفر «١».
أما لو وهبت امرأة نفسها لرجل غير النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهي المفوّضة، وجب عليه لها مهر مثلها بالدخول أو بالموت،
وقد حكم بذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بروع بنت واشق، لما فوضت نفسها، ومات عنها زوجها، فقضى لها بصداق مثلها.
ثم أكد تعالى مضمون جملة خالِصَةً لَكَ.. ببيان مغايرة أحكامه صلّى الله عليه وسلّم لأحكام المؤمنين أحيانا، فقال:
قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ، لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً أي إن ما ذكر حكمك أيها الرسول مع نسائك، وأما حكم أمتك مع نسائهم، فعندنا علمه، نبينه لهم على حسب مقتضى الحكمة والمصلحة، والمعنى: قد علم الله ما فرض من أحكام وشرائط وقيود في شأن أزواج المؤمنين والمملوكات، مما فيه صلاحهم وجعلهم غير النبي صلّى الله عليه وسلّم في تلك الأحكام، من حصرهم في أربع نسوة حرائر، وما شاؤوا من الإماء المؤمنات والكتابيات غير الوثنيات والمجوسيات، وعدم إباحة الزواج لهم بلفظ الهبة، واشتراط الولي والمهر والشهود.
وهذه جملة اعتراضية تؤكد ما سلف وتبينه، ثم ذكر تعالى علة اختصاصه صلّى الله عليه وسلّم ببعض الأحكام مثلما تقدم، وهو أننا أبحنا أو أحللنا لك ما ذكر من النساء والمملوكات والأقارب والواهبة، لندفع عنك الضيق والمشقة التي تلحقك، وتتفرغ لتبليغ الرسالة، وكان الله وما يزال غفورا لك وللمؤمنين

(١) أحكام القرآن: ٣/ ١٥٤٧

صفحة رقم 66

ما لا يمكن التحرز عنه، رحيما بك وبهم بدفع الحرج والعنت (المشقة)، وعدم العقاب على ذنب تابوا عنه. وفي الجملة: إن قوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً آنس به تعالى جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته.
ثم أجاب الله تعالى عن غيرة بعض نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم مثل عائشة من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعن تفويضهن أمر القسم للرسول صلّى الله عليه وسلّم، فقال:
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ، وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ أي لك يا رسول الله الحرية المطلقة في القسم بين زوجاتك، فلك أن تؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك، وتبيت مع من تشاء، لا حرج لك أن تترك القسم لهن، ولا يجب عليك قسم، بل الأمر لك، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت. ومع هذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقسم لهن.
وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ أي ومن طلبت إلى المبيت معك ممن تجنبت وتركت البيتوتة معهن، فلا إثم ولا حرج ولا ضيق عليك في ذلك، وكذلك لا ضير عليك في إرجاع من طلقت منهن.
ثم أبان الله تعالى سبب هذا التفويض للنبي صلّى الله عليه وسلّم في الإيواء والإرجاء وأنه لمصلحتهن، فقال:
ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ، وَلا يَحْزَنَّ، وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ أي إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم وأنه غير واجب عليك، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، وأنت مع ذلك تقسم لهن باختيارك لا جبرا عنك، فرحن بذلك، واستبشرن به، وقدرن جميلك، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك فيهن، ورضين كلهن بما تفعل، دون إقلاق ولا بلبلة.

صفحة رقم 67

ثم خاطب الله النبي صلّى الله عليه وسلّم وأزواجه بطريق تغليب الذكور، فقال:
وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً أي إن الله عليم تام العلم بالميل إلى بعضهن دون بعض، من غير اختيار، ومما لا يمكن دفعه، وكان الله وما يزال عليما بما تخفيه النفوس، وتكتمه السرائر، حليما يحلم ويغفر، فلا يعاجل المذنبين بالعقوبة، ليتمكنوا من التوبة والإنابة. وفي هذا حثّ على حسن النوايا، وسلامة الطوية، وتحسين معاملة النساء للتغلب على أثر الغيرة.
روى الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» زاد أبو داود: يعني القلب.
ثم ذكر الله تعالى مجازاة نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم اللاتي اخترن الله ورسوله، فمنع طلاقهن، وحرّم غيرهن عليه، فقال:
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي يحرم عليك أيها الرسول الزواج بغير هؤلاء النساء التسع اللاتي عندك الآن، جزاء لاختيارهن الله ورسوله، أخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال: «لما خيّرهنّ، فاخترن الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، قصره سبحانه عليهن».
وهذا هو الحكم الأول: تحريم بقية النساء عليه.
وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ، وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ، إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وهذا هو الحكم الثاني: منع استبدالهن وتحريم طلاقهن، أي ولا يحلّ لك أيها الرسول أن تتزوج غير اللاتي في عصمتك، وأن تستبدل بهن غيرهن، بأن تطلق واحدة منهن وتتزوج بدلها أخرى، وإن أعجبك حسنها، إلا ما ملكت يمينك من الإماء، مثل مارية القبطية التي أهداها المقوقس له، فتسرّى بها، وولدت له إبراهيم ومات رضيعا.

صفحة رقم 68

وقوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ دليل على جواز النظر إلى المخطوبة،
أخرج أبو داود أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل».
وقال المغيرة بن شعبة: «خطبت امرأة، فقال لي النبي صلّى الله عليه وسلّم: هل نظرت إليها؟ قلت: لا، قال: انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما».
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً أي وكان الله وما يزال مطلعا على كل شيء، عالما مراقبا كل ما يكون من أحد وما يحدث في الكون، فاحذروا مخالفة أوامره، فإن الله يجازي كل امرئ بما عمل.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
١- إباحة أصناف أربعة من النساء للنبي صلّى الله عليه وسلّم توسعة عليه، وتيسيرا له في تبليغ الرسالة، وهنّ:
أ- جميع النساء حاشا ذوات المحارم إذا آتاهن مهورهن، وهذا قول جمهور العلماء، بدليل ما أخرجه الترمذي عن عطاء قال: قالت عائشة رضي الله عنها:
ما مات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أحلّ الله تعالى له النساء. وقال ابن عباس: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتزوج في أي الناس شاء، وكان يشقّ ذلك على نسائه، فلما نزلت هذه الآية، وحرم عليه بها النساء إلا من سمّي، سرّ نساؤه بذلك.
وقد استنبط الكرخي من تسمية المهر أجرا جواز انعقاد النكاح بلفظ الإجارة، ولم يتابعه الحنفية في ذلك، لأن معنى الإجارة يتنافى مع عقد النكاح، إذ الإجارة عقد مؤقت، والنكاح عقد مؤبد يبطله التوقيت. ثم إن النكاح ليس عقد تمليك وإنما هو استباحة، وكذلك المهر في النكاح ليس عوضا، وإنما هو عطية أوجبها الله تعالى، إظهارا لخطر المحل.

صفحة رقم 69

ب- السراري مملوكات اليمين اللاتي ردها الله عليه من غنائم الحرب المأخوذة على وجه القهر والغلبة في وقت كان السبي أو الاسترقاق مشروعا في العالم، معاملة بالمثل.
ج- قريباته بنات العم والخال والعمة والخالة المهاجرات معه من مكة إلى المدينة، وهن بنات عمه العباس وغيره من أولاد عبد المطلب وبنات أولاد بنات عبد المطلب، وذلك يشمل القرشيات، وبنات الخال من ولد بنات عبد مناف بن زهرة. وقد كان عنده خمس قرشيات، ولم يكن عنده من أولاد الخال والخالة أحد.
والمراد بالمعية في قوله: مَعَكَ الاشتراك في الهجرة، لا في الصحبة فيها، فمن هاجر حلّ له، كان في صحبته إذ هاجر أو لم يكن.
وذكر الله تعالى العم فردا والعمات جميعا، وكذا الخال والخالات لحكمة عدا ما ذكرنا هي: أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة، وهذا عرف لغوي.
د- النساء اللاتي وهبن له أنفسهن من غير مهر، وهن أربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. ولكن لم يكن عنده إحدى الواهبات أنفسهن له، إذ لم يقبل منهن أحدا.
٢- قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً يدل على أن الكافرة لا تحلّ له، كما بيّنا.
وقوله سبحانه: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها دليل على أن النكاح عقد معاوضة على صفات مخصوصة. وقوله تعالى: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها دليل

صفحة رقم 70

على أن الهبة لا تتم إلا بقبول النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإن قبل حلّت له، وإن لم يقبلها لم يلزم ذلك، كما إذا وهبت شيئا لرجل، فلا يجب عليه القبول.
وقوله تعالى: خالِصَةً لَكَ دليل على أن انعقاد النكاح بلفظ الهبة من خصوصيات النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأن الهبة لا تحلّ لأحد بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم إن كانت هبة نكاح، ولا يحلّ للمرأة أن تهب نفسها لأحد، وهذا قول جمهور العلماء.
وقال الحنفية والمالكية: ينعقد النكاح لغير النبي صلّى الله عليه وسلّم بلفظ الهبة، ويكون للمرأة ما سمي من المهر في العقد، ومهر المثل إن لم يسمّ شيء، وللمفوضة طلب المهر قبل الدخول، ومهر المثل بعد الدخول.
ومنشأ الخلاف هو في معنى قوله تعالى: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فذهب جماعة إلى أن الخصوصية في انعقاد النكاح بلفظ الهبة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، لقوله تعالى: لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وقوله: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها وقوله سبحانه: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ. وهذا رأي الجمهور.
وذهب آخرون إلى أن الخصوصية الواردة في الآية هي في نكاح الواهبة بغير مهر، أما عقد النكاح بلفظ الهبة فكان جائزا للنبي صلّى الله عليه وسلّم وأمته على السواء، أي إن الخصوصية في المعنى دون اللفظ، لأن الله تعالى أضاف لفظ الهبة إلى المرأة بقوله: وَهَبَتْ وأضاف إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم إرادة الاستنكاح، فدلت المخالفة على أن المراد مدلول اللفظ الذي من جانب المرأة، وهو ما يدل عليه لفظ الهبة من ترك العوض.
٣- ذكر ابن العربي والقرطبي «١» بمناسبة هذه الخصوصية ما خصّ الله تعالى به

(١) أحكام القرآن: ٣/ ١٥٤٩- ١٥٥٣، تفسير القرطبي: ١٤/ ٢١١- ٢١٣

صفحة رقم 71

رسوله من أحكام في الشريعة لم يشاركه فيها أحد، سواء في مجال الفرض أو التحريم أو الإباحة، ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أفعال لم تحرم عليهم، وأبيحت له أشياء لم تبح لهم.
فأما ما اختص به من الفرائض فهو تسعة:
الأول- التهجد بالليل، لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل ٧٣/ ١]، والصحيح أنه كان واجبا عليه ثم نسخ بقوله تعالى:
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء ١٧/ ٧٩].
الثاني- الضحى. الثالث- الأضحى. الرابع- الوتر. الخامس- السواك.
السادس- قضاء دين من مات معسرا. السابع- مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع. الثامن- تخيير النساء. التاسع- إذا عمل عملا أثبته.
وأما ما اختص به مما حرّم عليه فهو عشرة:
الأول- تحريم الزكاة عليه وعلى آله. الثاني- صدقة التطوع عليه، وفي آله اختلاف. الثالث- خائنة الأعين: وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، أو ينخدع عما يجب. الرابع- حرّم الله عليه إذا لبس لأمته (درعه) أن يخلعها عنه أو يحكم الله بينه وبين محاربه. الخامس- الأكل متكئا. السادس- أكل الأطعمة كريهة الرائحة. السابع- التبدل بأزواجه. الثامن- نكاح امرأة تكره صحبته.
التاسع- نكاح الحرّة الكتابية. العاشر- نكاح الأمة.
وحرّم الله عليه أشياء لم يحرّمها على غيره تنزيها له وتطهيرا، فحرّم الله عليه الكتابة وقول الشعر وتعليمه، تأكيدا لحجته وبيانا لمعجزته، قال الله تعالى:
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت ٢٩/ ٤٨].
وهذا هو المشهور. وذكر النقاش أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ما مات حتى كتب.

صفحة رقم 72

وحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متّع به الناس، قال الله تعالى:
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [طه ٢٠/ ١٣١].
وأما ما اختص به مما أحلّ له فهو ستة عشر:
الأول- صفىّ المغنم. الثاني- الاستقلال بخمس الخمس أو الخمس. الثالث- صوم الوصال. الرابع- الزيادة على أربع نسوة. الخامس- النكاح بلفظ الهبة.
السادس- النكاح بغير ولي. السابع- النكاح بغير صداق. الثامن- نكاحه في حالة الإحرام. التاسع- سقوط القسم بين الأزواج عنه. العاشر- إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها، وحلّ له نكاحها. هذا ما قاله إمام الحرمين. وقد بيّنا في قصة زيد بن حارثة أن هذا لا يليق بمنصب النبوة، وكل ما روي مما فيه مساس بذلك هو ساقط غير معتبر ولا دليل عليه «١».
الحادي عشر- أنه أعتق صفيّة وجعل عتقها صداقها. الثاني عشر- دخوله مكة بغير إحرام، وفي حقنا فيه اختلاف. الثالث عشر- القتال بمكة. الرابع عشر- أنه لا يورث، ويصبح ملكه صدقة. الخامس عشر- بقاء زوجيته من بعد الموت. السادس عشر- إذا طلّق امرأة تبقى حرمته عليها، فلا تنكح.
وأبيح له صلّى الله عليه وسلّم أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك، لقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب ٣٣/ ٦]، وعلى كل أحد من المسلمين أن يقي النبي صلّى الله عليه وسلّم بنفسه، وأبيح له أن يحمي لنفسه.
وأكرمه الله بتحليل الغنائم. وجعلت الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا، وكان من الأنبياء من لا تصح صلاتهم إلا في المساجد، ونصر بالرعب، فكان

(١) انظر أحكام القرآن لابن العربي: ٣/ ١٥٣١

صفحة رقم 73

يخافه العدو من مسيرة شهر، وبعث إلى كافة الخلق، وقد كان من قبله من الأنبياء يبعث الواحد إلى بعض الناس دون بعض.
وجعلت معجزاته كمعجزات الأنبياء قبله وزيادة. وكانت معجزة موسى عليه السلام العصا وانفجار الماء من الصخرة. وقد انشق القمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وخرج الماء من بين أصابعه صلّى الله عليه وسلّم. وكانت معجزة عيسى عليه السلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وقد سبّح الحصى في يد النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وحنّ الجذع إليه، وهذا أبلغ. وفضّله الله عليهم بأن جعل القرآن معجزة له، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم القيامة، ولهذا جعلت نبوته مؤبدة لا تنسخ إلى يوم القيامة.
٤- لم يكن القسم بين الزوجات واجبا على النبي صلّى الله عليه وسلّم، توسعة عليه في ترك القسم وإباحة له، وإنما كان مخيرا في أزواجه ومع هذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقسم بينهن، دون فرض، تطييبا لنفوسهن، وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وهذا أصح ما يراد بالآية.
وقيل: كان القسم واجبا على النبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية.
قال أبو رزين: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد همّ بطلاق بعض نسائه، فقلن له: اقسم لنا ما شئت، فكان ممن آوى: عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان قسمتهن من نفسه وماله سواء بينهن. وكان ممن أرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية، فكان يقسم لهن ما شاء.
٥- قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ بيان الحكمة في التخيير بالقسم، قال قتادة وغيره: أي ذلك التخيير الذي خيّرناك في صحبتهنّ أدنى إلى رضاهن إذ كان من عندنا، لأنهن إذا علمن أن الفعل من الله قرّت أعينهن بذلك ورضين، لأن المرء إذا علم أنه لا حقّ له في شيء، كان راضيا بما أوتي منه وإن قلّ. وإن علم أن له حقّا لم يقنعه ما أوتي منه، واشتدت غيرته عليه، وعظم

صفحة رقم 74

حرصه فيه، فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه، وإلى استقرار أعينهن بما يسمح به لهن، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه.
وكان صلّى الله عليه وسلّم مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن، تطييبا لقلوبهن، كما قدّمنا،
ويقول فيما رواه النسائي وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها: «اللهم هذه قدرتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك، يعني ميل قلبه، لإيثاره عائشة رضي الله عنها، دون أن يكون ذلك ظاهرا في شيء من فعله. وكان في مرضه الذي توفي فيه يطاف به محمولا على بيوت أزواجه، إلى أن استأذنهن أن يقيم في بيت عائشة. أخرج البخاري في صحيحة عن عائشة قالت:
«أول ما اشتكى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرّض في بيتها- يعني بيت عائشة- فأذنّ له»

وفي الصحيح أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليتفقد، يقول: «أين أنا اليوم، أين أنا غدا؟»
استبطاء ليوم عائشة رضي الله عنها، قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري «١»، صلّى الله عليه وسلّم.
٦- على الرجل أن يعدل بين نسائه لكل واحدة منهن يوما وليلة، ولا يسقط حق الزوجة مرضها ولا حيضها، ويلزمه المقام عندها في يومها وليلتها. وعليه أن يعدل بينهن في مرضه كما يفعل في صحته، إلا أن يعجز عن الحركة، فيقيم حيث غلب عليه المرض، فإذا صح استأنف القسم. والإماء والحرائر والكتابيات والمسلمات في ذلك سواء، وأما السراري فلا قسم بينهن وبين الحرائر.
روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل».

(١) أي بين جنبي وصدري. والسحر: الرئة، أطلق على الجنب مجازا، من باب تسمية المحل باسم الحال فيه، والنحر: الصدر.

صفحة رقم 75

ولا يجمع بينهن في منزل واحد إلا برضاهن، ولا يدخل لإحداهن في يوم الأخرى وليلتها لغير حاجة، ويجوز عند الأكثرين دخوله لحاجة وضرورة.
قال مالك: ويعدل بينهن في النفقة والكسوة إذا كن معتدلات الحال، ولا يلزم ذلك في المختلفات المناصب. وأجاز مالك أن يفضل إحداهما في الكسوة على غير وجه الميل. فأما الحبّ والبغض فخارجان عن الكسب، فلا يتأتى العدل فيهما، وهو المعنيّ
بقوله صلّى الله عليه وسلّم في قسمه: «اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»
وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء ٤/ ١٢٩] وقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ [الأحزاب ٣٣/ ٥١].
٧- قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ خبر عام، يدخل فيه الإشارة إلى ما في قلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من محبة شخص دون شخص، ويدخل في المعنى أيضا المؤمنون.
أخرج البخاري عن عمرو بن العاص «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحبّ إليك؟ فقال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب، فعدّ رجالا».
والقلب قد يكون مصدر خير أو شر، يروى أن لقمان الحكيم كان عبدا نجارا قال له سيده: اذبح شاة وائتني بأطيبها بضعتين، فأتاه باللسان والقلب. ثم أمره بذبح شاة أخرى، فقال له: ألق أخبثها بضعتين، فألقى اللسان والقلب.
فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين، فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي بأخبثها بضعتين، فألقيت اللسان والقلب؟! فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
٨- حظر على النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يتزوج على نسائه، لأنهن اخترن الله ورسوله

صفحة رقم 76

والدار الآخرة، ويكون ذلك قصرا للنبي صلّى الله عليه وسلّم على أزواجه مجازاة لهن، وشكرا على هذا الاختيار، كما قصرهن الله عليه إكراما له في قوله: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ [الأحزاب ٣٣/ ٥٣].
وقيل: إن هذه الآية منسوخة بالسنة، وهو حديث عائشة، قالت:
ما مات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أحلّ له النساء. وبه قال الشافعي وقيل: إنها منسوخة بآية أخرى، روى الطحاوي عن أم سلمة قالت: لم يمت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى أحلّ الله له أن يتزوج من النساء من شاء، إلا ذات محرم، وذلك قوله عز وجل: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ.
والراجح أن الآية محكمة غير منسوخة، لأن حديث عائشة كما قال ابن العربي حديث ضعيف واه، أي شديد الضعف «١». وأما نسخها بآية:
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ... فقال فيه بعض فقهاء الكوفة: محال أن تنسخ هذه الآية: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وهي قبلها في المصحف الذي أجمع عليه المسلمون.
وأما القول بأن الترتيب في التلاوة ليس دليل الترتيب في النزول، فهو صحيح، لكن النسخ في الحقيقة يتطلب أمرين: ثبوت تأخر الناسخ عن المنسوخ، وأن يكون بينهما تعارض. وهذان لم يتوافرا هنا.
٩- ظاهر قوله تعالى: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ناسخ لما كان قد ثبت له صلّى الله عليه وسلّم من أنه إذا رأى واحدة، فوقعت في قلبه موقعا كانت تحرم على الزوج، ويجب عليه طلاقها. وهو دليل على منع تبديل زوجات النبي صلّى الله عليه وسلّم اللاتي اخترنه وهن تسع.

(١) أحكام القرآن: ٣/ ١٥٥٩

صفحة رقم 77

قال ابن زيد: هذا شيء كانت العرب تفعله، يقول أحدهم: خذ زوجتي وأعطني زوجتك.
ولكن أنكر الطبري والنحاس وغيرهما ما حكاه ابن زيد عن العرب، من أنها كانت تبادل بأزواجها. قال الطبري: وما فعلت العرب قط هذا.
١٠- قوله سبحانه: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ دليل كما تقدم على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها، وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة،
فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة) عن المغيرة: «انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم «١» بينكما»
وأخرج البخاري في صحيحة أنه صلّى الله عليه وسلّم قال لآخر: «انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا»
أي صفرة أو زرقة أو رمص.
والأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها، فلعله يرى منها ما يرغّبه في نكاحها، بدليل
ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل» فقوله: «فإن استطاع فليفعل»
لا يقال مثله في الواجب. وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية وغيرهم.
واختلف العلماء فيما يجوز أن ينظر منها، فقال مالك: ينظر إلى وجهها وكفّيها، ولا ينظر إلا بإذنها. وقال الشافعي وأحمد: بإذنها وبغير إذنها إذا كانت مستترة. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر مواضع اللحم منها. وأما قول داود الظاهري: ينظر إلى سائر جسدها، تمسكا بظاهر اللفظ، فأصول الشريعة ترد عليه في تحريم الاطلاع على العورة.

(١) أي يؤلف ويوفق.

صفحة رقم 78

١١- ظاهر عموم قوله تعالى: إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ يدل على إحلال الأمة الكافرة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحكم.
والأصح أن الكافرة لا تحل له، تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة، وقد قال الله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [الممتحنة ٦٠/ ١٠] فكيف به صلّى الله عليه وسلّم؟! ١٢- إن الذي استقر عليه عدد أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم كما تقدم هو تسع نسوة مات عنهن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولم يكن هذا التعدد لغرض جنسي أو شهواني، وإنما من أجل غاية أسمى هي نشر الدعوة الإسلامية، وتأليف القبائل العربية وترغيبهم في قبول عقيدة الإسلام، والدليل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ظل على زوجة واحدة هي السيدة خديجة بنت خويلد حتى نهاية الرابعة والخمسين، وفي هذه السن تفتر الرغبة الجنسية عادة، وقد تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وهي ثيّب بنت أربعين سنة، ومنها رزق الأولاد، وماتت وهي في سن الخامسة والستين.
ثم تزوج بعد خديجة سودة بنت زمعة.
وتزوج بعائشة البكر الوحيدة تقديرا لجهود وتضحيات والدها أبي بكر، وتزوج حفصة حبا في عمر، وتقديرا لصدقه وجهاده، مع أنها لم تكن جميلة، وكان زواجه بأم سلمة ذات الأولاد الكثر وفي سن كبيرة تعويضا عن مصابها بزوجها الذي هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وتزوج سودة بنت زمعة العجوز المسن أرملة السكران بن عمرو وفاء له لموته في سبيل الدفاع عن الحق في الحبشة التي هاجر إليها هربا من أذى المشركين، وتزوج زينب بن جحش لإبطال عادة التبني وإلغاء جميع آثاره بتزويج الله له كما بينا، وأم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم قريش التي أسلمت قبل أبيها وهاجرت إلى الحبشة، وقد أصدقها النجاشي أربع مائة دينار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، تزوجها إكراما لها وتقديرا لإخلاصها وصدقها، وصفية بنت حييّ بن أخطب زعيم اليهود تزوجها رأفة بها بعد سبيها، وجويرية بنت الحارث زعيم بني المصطلق، تزوجها بعد سبيها وإعتاقها وكان

صفحة رقم 79

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية