بل ابتدائية للانتقال من غرض إلى آخر وهو الإخبار بحاله وحالهم وليست للإضراب عجبت العجب حالة يعتري الإنسان عند رؤية أمر لم يعهد مثله فيعبر عن تلك الحالة بقوله عجبت وبصيغة التعجب منه قوله صلى الله عليه وسلم :" عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل "، وقوله سبحانه ما أعظم شأنه، ويطلق أيضا على الشيء الذي لم يعهد مثله أنه عجب قال الله تعالى : أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ١ وكثيرا يستعمل العجب فيما يراه الرجل حسنا غاية الحسن يقال أعجبني كذا ومنه قوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله ٢ وقوله عليه السلام " عجب ربكم من شاب ليست له صبوة " ٣ وقوله صلى الله عليه وسلم :" عجب ربكم من إلكم وقنوطكم " وقد يستعمل فيما يراه قبيحا غاية القبح يقال عجبت من بخلك وفرهك، وقال الشاعر شيئان عجيبان هما أبرد من شيخ " شيخ يتصبى وصبي يتشيخ "، وفيما يراه كثيرا غاية الكثرة يقال ما أكرمه وما أطفاه وما أشد استخراجه وما أجهله وما أشد بياضه فالمعنى أن هذا الشيء بهذا الحسن أو بهذا القبح أو بهذا الكرم أو الجهل أو البياض لم يعهد مثله، وقيل هي حالة يعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء وبناء على ذلك قالوا لا يصح على الله العجب لإحاطة علمه بكل شيء، وقيل هي حالة يعتري للإنسان عند استعظامه الشيء، والصحيح أن مآل هذين التفسيرين إلى ما ذكرنا لأن الإنسان يستعظم ما لم يعهد مثله، وكذا يجهل بسببه يراه غير معهود مثله فلا حاجة إلى الصرف عن الظاهر.
في قراءة حمزة والكسائي عجبت، بضم التاء على صيغة المتكلم، وقال البيضاوي العجب من الله إما على الفرض والتخييل أو على معنى الاستعظام اللازم وقيل أنه مقدر بالقول يعني قل يا محمد بل عجبت وقال الغوي والعجب من الله إنكاره وتعظيمه والعجب من الله قد يكون بمعنى الإنكار والذم كما في هذه الآية وقد يكون بمعنى الاستحسان كما في الحديث " عجب ربكم من شاب ليست له صبوة "، وسئل جنيد عن هذه الآية فقال إن الله ما يعجب من شيء ولكن الله وافق رسوله فقال وإن تعجب فعجب قولهم أي هو كما تقوله، وقرأ الجمهور على صيغة المخاطب بفتح التاء يعني عجبت أنت يا محمد من تكذيبهم إياك مع اعترافهم بكونك أمينا صدوقا وشهادة المعجزات على صدقك وكون القرآن معجزا أو عجبت من إنكارهم قدرة الله على البعث مع ظهور قدرته تعالى على كل شيء فإن هذا الأمر لم يعهد مثله قال قتادة عجب نبي الله صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم بعده وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن من سمع لهذا القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون وسخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى : بل عجبت يا محمد ويسخرون حال من فاعل عجبت بتقدير المبتدأ يعني وهم يسخرون من تعجبك وتقريرك للبعث
٢ سورة البقرة، الآية: ٢٠٤..
٣ رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وإسناده حسن.
انظر مجمع الزوائد في كتاب: الزهد، باب: فيمن لا صبوة له وينشأ في العبادة ١٧٩٥٤..
التفسير المظهري
المظهري