ﮙﮚﮛ

بل عَجِبْتَ من تكذيبهم إيَّاك، وإنكارهم البعث، ويَسْخَرون هم منك، ومن تعجُّبك، أو : مِن أمر البعث، قال الكواشي : ولَمَّا لم تؤثِّر فيهم البراهين، أَمَرَ نبيَّه عليه الصلاة والسلام بالإضراب عنهم، والإعجاب منهم، حيث لم يؤمنوا به وبالبعث، والمعنى : إنك تعجبت من تكذيبهم، وهم يسخرون منك ومن تعجُّبك. ه. قال قتادة : لَمَّا نزل القرآنُ عجب منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد أنه لا يسمعه أحد إلا آمن به، فلما سَمِعَه المشركون، ولم يؤمنوا، وسخروا، تعجَّب من ذلك. ه. وذكر ابن عطية وغيره : أن الآية نزلت في رُكانة، الذي صرعه١ صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن عبد البر : أنه أسلم يوم الفتح. ه.
وقرأ الأخوان " عجبتُ " بضم التاء، أي : استعظمت. والعجَبُ : روعة تعتري الإنسان عند استعظام الشيء ؛ لخفاء سببه، وهو في حقه تعالى مُحال، ومعناه : التعجُّب لغيره، أي : كل مَن يرى حالهم يقول : عجبت، ونحوه : قوله صلى الله عليه وسلم :" عجب الله من شاب ليست له صبوة٢ ". وهو عبارة عما يُظهره الله في جانب المتعجب منه، من التعظيم أو التحقير، أو : قل يا محمد : عجبتُ ويسخرون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الإنسان فيه عالَمان، عالَم في غاية الضعف والخِسة، وهي بشريته الطينية، أصلها من ماء مهين. وعالَم في غاية القوة والكمال، وهي روحانيته السماوية النورانية، فإذا حييت الروح بالعلم بالله، واستولت على البشرية، استيلاء النار على الفَحمة، أكسبتها القوة والشرف، وإذا ماتت الروح بالغفلة والجهل، واستولت عليه البشرية أكسبتها الضعف والذل، والعارف الكامل هو الذي ينزل كل شيء في محله، فينزل الضعف في ظاهره، والقوة في باطنه، فظاهره يمتد من الوجود بأسره، وباطنه يمُد الوجود بأسره. فمَن نظر إلى أصل ظاهره تواضع وعرف قدره، ولذلك قال سيدنا علي كرّم الله وجهه : ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة. هـ.
ومَن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره، لكن من آداب العبد : ألا يُظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية، من الضعف، والذل، والفقر، فإذا تحقّق بوصفه مدَّه اللهُ بوصفه. وبالله التوفيق.



١ حديث صرع النبي صلى الله عليه وسلم لركانة أخرجه أبو داود في اللباس حديث ٤٠٧٨، والترمذي في اللباس حديث ١٧٨٤..
٢ أخرجه أحمد في المسند ٤/١٥١..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير