ثم أضرب سبحانه عن الكلام السابق، فقال : بَلْ عَجِبْتَ يا محمد من قدرة الله سبحانه وَيَسْخُرُونَ منك بسبب تعجبك، أو ويسخرون منك بما تقوله من إثبات المعاد.
قرأ الجمهور بفتح التاء من عجبت على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة والكسائي بضمها. ورويت هذه القراءة عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، واختارها أبو عبيد، والفراء. قال الفراء : قرأها الناس بنصب التاء ورفعها، والرفع أحبّ إليّ ؛ لأنها عن عليّ، وعبد الله، وابن عباس. قال : والعجب أن أسند إلى الله، فليس معناه من الله كمعناه من العباد. قال الهروي : وقال بعض الأئمة : معنى قوله : بَلْ عَجِبْتَ بل جازيتهم على عجبهم ؛ لأن الله أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الخلق كما قال : وَعَجِبُواْ أَن جَاءهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ [ ص : ٤ ] وقالوا : إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ [ ص : ٥ ] أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ [ يونس : ٢ ] وقال عليّ بن سليمان : معنى القراءتين واحد، والتقدير : قل يا محمد بل عجبت ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالقرآن. قال النحاس : وهذا قول حسن، وإضمار القول كثير. وقيل : إن معنى الإخبار من الله سبحانه عن نفسه بالعجب أنه ظهر من أمره، وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين. قال الهروي : ويقال : معنى عجب ربكم، أي رضي ربكم وأثاب، فسماه عجباً، وليس بعجب في الحقيقة، فيكون معنى عجبت هنا : عظم فعلهم عندي. وحكى النقاش : أن معنى بل عجبت بل أنكرت. قال الحسن بن الفضل : التعجب من الله : إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب، وقيل معناه : أنه بلغ في كمال قدرته، وكثرة مخلوقاته إلى حيث عجب منها، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها، والواو في وَيَسْخُرُونَ للحال، أي بل عجبت، والحال أنهم يسخرون، ويجوز أن تكون للاستئناف.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : مِن طين لاَّزِبٍ قال : ملتصق. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً مّن طِينٍ لاَّزِبٍ قال : اللزج الجيد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : اللازب، والحمأ، والطين واحد : كان أوّله تراباً، ثم صار حمأ منتناً، ثم صار طيناً لازباً، فخلق الله منه آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : اللازب الذي يلصق بعضه إلى بعض. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود : أنه كان يقرأ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخرُونَ بالرفع للتاء من عجبت.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني