ﭞﭟﭠﭡ

فصل


ثم إن الرجل يقول لجالسائه يدعوهم إلى كَمَال السُّرُور بالاطِّلاع إلى النار لمشاهدة ذلك القرين ومخاطبته قَالَ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ إلى النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به١ منا «فاطّلع أنت ». قال ابن عباس : إنَّ في الجنة كُوًى ينظر أهلها منها إلى النار.
قوله : مُطَّلِعُونَ قرأ العامة بتشديد الطاء مفتوحة وبفتح النون فاطَّلَعَ ماضياً مبنياً للفاعل افتعل من الطلوع. وقرأ ابن عباس في آخرين - ويروى عن أبي عمرو - بسكون الطاء وفتح النون «فأُطْلِعَ » بقطع ( ال )٢ همزة مضمومة وكسر اللام ماضياً مبنياً للمفعول٣، ومطلعون على هذه القراءة يحتمل أن يكون قاصراً أي مقبلون من قولك : اطلع علينا فلان أي أقبل٤، وأن يكون متعدياً ومفعوله محذوف أي أصْحَابَكُمْ٥، وقرأ أبو البَرَهسم وحماد بن٦ أبي عمار : مُطْلِعُونَ خفيفة الطاء مكسورة النون فأُطْلِعَ مبنياً للمفعول٧، ورد أبو حاتم وغيرُه٨ هذه القراءة من حيث الجمع بين النون وضمير المتكلم إذْ كَانَ قياسها مُطْلِعِيَّ، والأصل مُطْلِعُوي فأبدل فأدغم نحو : جاء مُسْلِمِيَّ القَاطِنُونَ وقوله عليه - ( الصلاة و ) السلام- «أَوَ مُخْرِجيَّ هُمْ »٩، وقد وجهها ابن جني على أنها أجري فيها اسم الفاعل مُجْرى المضارع يعني في إثبات النون فيه مع الضمير١٠ وأنشد الطبري على ذلك :
٤٢٠٧- وَمَا أَدْرِي وَظَنِّي. . . كُلَّ ظَنِّي أَمْسْلِمُنِي١١ إلى قَوْمِي شَرَاحِ١٢
وإليه نحا الزمخشري قال : أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخِ بينهما ( كأنه )١٣ قال يُطْلِعُونَ١٤ وهو ضعيف لا يقع إلا في شعر١٥. وذكر فيه فيه تَوْجيهاً آخَر فقال : أراد مُطْلعُونِ إياي فوضع المتصل موضع المنفصل١٦ كقوله :
٤٢٠٨- هُمُ الْفَاعِلُونَ الْخَيْرَ وَالآمِرُونَهُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ١٧
ورده أبو حيان بأن هذا ليس من مواضع المنفصل حتى يدعي أن المتصل١٨ وقع موقعه لا يجوز :«هِنْدٌ زَيْدٌ ضَارِبٌ إيَّاهَا » ولا «زَيْدٌ ضَارِبٌ إيَّايَ ». قال شهاب الدين : وإنما لم يجز ما ذكر لأنه إذا قدر على المتصل لم يُعْدَل إلى المنفصل١٩. ولِقَائلٍ أن يقول : لا أسلم٢٠ أنه يقدر على المتصل حالة ثبوت النون أو التنوين قبل الضمير بل يصير الموضع موضع الضمير المنفصل فيَصحّ ما قال ( ه )٢١ الزمخشري، وللنحاة في اسم الفاعل المنوّن قبل ياء المتكلم نحو البيت المتقدم وقول الآخر :
٤٢٠٩- فَهَلْ فَتًى مِنْ سَرَاةِ الْقَوْمِ يَحْمِلُنِي. . . وَلَيْسَ حَامِلُنِي إلاَّ ابْنُ حَمَّالِ٢٢
وقول الآخر :
٤٢١٠- وَلَيْسَ بمُعْيِيني وَفِي النَّاسِ مُمْنِعٌ. . . صَدِيقٌ وَقَدْ أَعْيَى عَلَيَّ صَدِيقُ٢٣
قولان :
أحدهما : أنه تنوين وأنشد شذ ثبوته مع الضمير. وإن قلنا : إن الضمير بعده في محل نصب٢٤.
والثاني : أنه ليس تنويناً وإنما هو نون وقاية٢٥.
واستدل ابن مالك على هذا بقوله : وليس بمعييني، وبقوله أيضاً :
٤٢١١- وَلَيْسَ الْمُوَافِينِي ( وَفِي النَّاسِ مُمْنِعٌ. . . صَدِيقٌ إذَا أعْيَا عَلَيَّ صديق )٢٦
ووجه الدلالة من الأول أنه لو كان تنويناً لكان ينبغي أن يحذف الياء قبله لأنه منقوص منون، والمنقوص المنون تحذف ياؤه رفعاً وجراً لالتقاء الساكنين، ووجهها من الثاني أن الألف واللام لا تجامع التنوين. والذي يرجح القول الأول ثبوت النون في قوله : وَالآمِرُونَهُ ٢٧، وفي قول الآخر :
٤٢١٢- وَلَمْ يَرْتَفِقْ وَالنَّاسُ مُحْتَضِرُونَهُ. . . جَمِيعاً وَأيْدِي المُعْتَفِينَ رَوَاهِقُه٢٨
فإن النون قائمة مقام التنوين تثنية وجمعاً على حدها، وقال أبو البقاء «وتقرأ بكسر النون ». وهو بعيد جداً ؛ لأن النون إنْ كانت للوقاية فلا تلحق الأسماء وإن كانت نون الجمع لا تثبت في الإضافة٢٩ وهذا الترديد صحيح لولا ما تقدم من الجواب عنه مع تكلف فيه وخروج عن القواعد٣٠.
( وقُرِئَ٣١ مُطّلعون بالتشديد كالعامة فأَطْلُعَ مضارعاً ) منصوباً ( بإضمار٣٢ «أَنْ » على جواب الاستفهام ). وقرئ مُطْلِعُونَ بالتخفيف فأطْلِعَ َ مخففاً ماضياً ومخففاً مضارعاً على ما تقدم يُقالُ : طَلَع عَلَيْنَا فلانٌ وأَطْلَعَ كأَكْرَمَ واطَّلَعَ بالتشديد بمعنى واحد٣٣. وأما قراءة من بنى الفعل للمفعول ففي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مصدر الفعل أي اطَّلَعَ الاطِّلاَع. ٣٤
الثَّانِي : الجار المقدر٣٥.
الثَّالِثُ :- وهو الصحيح- أنه ضمير القائل لأصحابه ما قاله لأنه يقال : طَلَعَ زَيْدٌ وأَطْلَعَهُ غَيْرَهُ فالهمزة فيه للتعدية٣٦، وأما الوجهان الأولان فذهب إليهما أبو الفضل الرازي في لَوَامِحِهِ فقال : طلع واطّلع إذا بدا وظهر واطّلع اطّلاعاً إذا جاء وأقبل. ومعنى ذلك : هل أنتم مقبلون فأُقْبِل، وإنما أقيم المصدر فيه مُقَامَ الفاعل بتقدير فاطلع الاطلاع، أو بتقدير حرف الجر المحذوف أي أُطْلِعَ بِهِ لأن أَطْلََع لازم كما أن أقبل كذلك٣٧. ورد عليه أبو حيان هذين الوجهين فقال قد ذكرنا أن«أطْلَعَ » بالهمزة معدًّى بها من طلع اللازم. وأما قوله أو حرف الجر المحذوف أي اطلع به فهذا لا يجوز لأن مفعول ما لم يسم فاعله لا يجوز حذفه لأنه نائب عنه٣٨ فكما أن الفاعل لا يجوز حذفه دون عامله٣٩، فكذلك هذا لو قلت :«زَيْدٌ مَمْرُورٌ أو مغْضُوبٌ » تريد «بِهِ » أو «عَلَيْهِ » لم يجز٤٠.
قال شهاب الدين : أبو الفضل لا يَدَّعي أن النائب عن الفاعل محذوف وإنما قال : بتقدير حرف الجر المحذوف. ( ومعنى٤١ ذلك ) أنه لما حذف حرف الجر اتَّسَاعاً٤٢ انقلب الضمير مرفوعاً فاستتر في الفعل كما يدعى ذلك في حذف عائد الموصول المجرور عند عدم شروط الحذف ويُسَمَّى الحذف على التدريج٤٣.
١ في ب: بنا منا. وانظر البغوي ٦/٢٢..
٢ زيادة من أ..
٣ من القراءات المتواترة فقد رواها ابن مجاهد في السبعة ٥٤٨ كما رويت في الإتحاف ٣٦٩ وانظر أيضا المحتسب ٢/٢١٩ ومختصر ابن خالويه ١٢٧ و ١٢٨..
٤ قاله ابن جني في المحتسب ٢/٢١٩ و ٢٢٠ والسمين في الدر ٤/٥٥٢..
٥ قاله أبو البقاء في التبيان ١٠٩٠..
٦ لم أقف على ترجمة له..
٧ انظر: الكشاف ٣/٣٤١ والبحر ٧/٣٦١ والتبيان ١٠٩٠ والبيان ٢/٣٠٤ وإعراب الزجاج ٤/٣٠٤ و ٣٠٥..
٨ تكاد كل الكتب التي رجعت إليها تضعف هذه القراءة لهذه العلة المذكورة حيث الجمع بين الإضافة "الواو" والنون. قال بذلك الزجاج في معاني القرآن ٤/٣٠٤ و ٣٠٥ والنحاس في الإعراب ٣/٤٢٢ ومعاني الفراء ٢/٣٨٥ والتبيان ٢/١٠٩٠ والبيان ٢/٣٠٤ و ٣٠٥ ومشكل إعراب مكي ٢/٢٣٦ والقرطبي ١٥/٨٣ والبحر ٧/٣٦١، والسمين ٤/٥٥٢..
٩ ذكره الإمام البخاري في صحيحه ١/٧ من حديث طويل عن عائشة رضي الله عنها..
١٠ قال في المحتسب ٢/٢٢٠: والأمر على ما ذهب إليه أبو حاتم إلا أن يكون على لغة ضعيفة وهو أن يجرى اسم الفاعل مجرى الفعل المضارع لقربه منه، فيجرى "مطلعون" مجرى يطلعون وعليه قال بعضهم:
أرأيت إن جئت به أملودا مرحلا ويلبس البرودا
أقائلن أحضروا الشهودا
فوكد اسم الفاعل بالنون وإنما بابها الفعل كقوله تعالى لترون الجحيم..

١١ في ب: أسلمني وهو ما يخالف روايته..
١٢ من تمام الوافر وهو ليزيد بم محرم الحارثي وشاهده: "أمسلمني" حيث بقيت نون الوقاية مع اسم الفاعل وهي لا تكون إلا مع الفعل لأنها تقيه من الكسر الذي يخص الاسم. وذلك الذي نرى شاذ وقياسه أمسلمي كمخرجي السابق وقد تقدم..
١٣ سقط من ب فقط..
١٤ في الكشاف تطلعون..
١٥ الكشاف ٣/٣٤١..
١٦ الكشاف ٣/٣٤١..
١٧ يروى: القائلون الخير ويروى: الآمرون الخير. من الطويل وهو مجهول القائل عجزه:
................ إذا ما خشوا مع محدث الأمر معظما
والشاهد: الجمع بين النون (نون جمع المذكر) والإضافة (الهاء) وحكم المضمر أن يعاقب النون والتنوين لأنه بمنزلتهما في الاتصال والضعف وقد عاقب المظهر النون والتنوين مع قوته وانفصاله. وقد زعم سيبويه أنه مصنوع وانظر: الكتاب ١/١٨٨ وابن يعيش ٢/١٢٥ ومجالس ثعلب ١٢٣ ومعاني الفراء ٢/٣٨٦ والكشاف ٣/٣٤١ والدر ٤/٥٥٣ والخزانة ٤/٢٦٩ وكامل المبرد ١/٣٦٤ والبحر ٧/٣٦١..

١٨ المرجع السابق..
١٩ الدر ٤/٥٥٣..
٢٠ في ب: لا نسلم، وهذا رأي السمين الحلبي وعرضه في كتابه الدر. وقد رجح أبو حيان في البحر تخريج أبي الفتح وهو شبه الاسم للفعل. انظر: البحر ٧/٣٦١ والسمين ٤/٥٥٣..
٢١ الهاء زيادة من أ..
٢٢ من البسيط من أبيات لأبي محلم السعدي ويروى: ألا فتى من بني ذبيان. وشاهده حاملني حيث جاءت نون الوقاية مع اسم الفاعل والأصح: حاملي، كمسلمي ومخرجي، فالنون مع الفعل لهدف وهنا مع ياء المتكلم الذي مع الاسم لا هدف لها، ومن ثم تحتم الشذوذ، وانظر: الإنصاف ١٢٩ والبحر ٧/٣٦١ والدر ٤/٥٥٣، وشرح الرضي على كافية ابن الحاجب ١/٢٨٣ والكامل ١/٣٦٣، ٣٦٤. والرواية فيه يحملني وعليه فلا شذوذ فيه والخزانة ٤/٢٦٥ والبيان ٢/٣٠٥..
٢٣ من الطويل مجهول القائل. وشاهده كسابقيه في "معييني" وانظر: البحر ٧/٣٦١ والأشموني ١/١٣٦ والدر المصون ٤/٥٥٤..
٢٤ نسب ابن هشام في المغني هذا الرأي إلى هشام الكوفي قال: وزعم هشام أن الذي في "أمسلمني" ونحوه تنوين لا نون وبنى ذلك على قوله في "ضاربني" أن الياء منصوبة. المغني ٣٤٥..
٢٥ ظاهر كلام ابن مالك في التسهيل ص ٢٥ قال وقد تلحق نون الوقاية مع اسم الفاعل وأفعل التفضيل..
٢٦ الواقع أن ما بين القوسين كله تخليط من الناسخ لبيت آخر هو السابق عليه وإنما البيت المعني هو:
وليس الموافيني ليرفد خائبا فإن له أضعاف ما كان له أملا
وهو من الطويل مجهول القائل والموافيني اسم فاعل من وافى كعادى وقاضىويرفد يعطي من الرفد وهو العطاء والشاهد: الموافيني فقد استدل ابن مالك على أن النون نون الوقاية لا تنوين لأنه لا يجامع الألف واللام. وانظر: توضيح المقاصد ١/١٦٦ والأشموني ١/١٢٦ والمغني ٣٤٥ والمقاصد الكبرى للعيني ١/٣٨٧ وأجاز رواية آملا والدر المصون ٤/٥٤٤..

٢٧ قد سبق عما قريب..
٢٨ من الطويل مجهول القائل. وروي: يرتهق بدل يرتفق. واحتضر بمعنى حضر وشهد والارتفاق الاتكاء والرواهق الذين جاءوه والمعتفي طالب المعروف يقول إنه لم يشغل عن قضاء حاجة الملهوف مهما كان الأمر وشاهده "محتضرونه" فقد جمع بين الواو جمع المذكر والهاء "الإضافة". والشاهد الآخر الذي نحن بصدده الآن أن هذا تأييد لوجهة نظر هشام الذي يقول: إن النون هي التنوين بدليل ثبوتها جمعا وتثنية. وانظر: الدر المصون ٤/٥٥٤ وابن يعيش ٢/١٢٥ وشرح الكافية ١/٢٨٣ والخزانة ٤/٢٧١ وكامل المبرد ٢/٣٦٤ وكتاب سيبويه ١/١٨٨ وقد اتفقوا على أن هذا البيت من المصنوعات كما سبق في نظيره "الآمرونه"..
٢٩ التبيان ١٠٩٠..
٣٠ انظر: الدر المصون ٤/٥٥٤..
٣١ ما بين القوسين كله سقط من نسخة ب وقد روى أبو الفتح في المحتسب ٢/٢١٩، ٢٢٠ قراءة مطلعون فأطلع وانظر أيضا الدر المصون ٤/٥٥٤..
٣٢ ما بين القوسين الصغيرين سقط من ب وما بين الكبيرين كله ساقط من أ..
٣٣ الكشاف السابق والبحر ٧/٣٦١..
٣٤ هذا رأي ابن جني في المحتسب المرجع السابق قال: "فالفعل إذا الذي هو اطلع مسند إلى مصدره أي فاطلع الاطلاع كقولك: قد قيم أي قيم القيام، وقد قعد أي قعد القعود"..
٣٥ نقله أبو حيان عن أبي الفضل الرازي. انظر: البحر ٧/٣٦١..
٣٦ هذا رأي أبي حيان في البحر المرجع السابق..
٣٧ المرجع السابق..
٣٨ كذا في أ والبحر وفي ب عن الفاعل..
٣٩ كذا الأصح منهما أيضا وفي ب فاعله تحريف..
٤٠ ورأي أبي حيان هذا سديد فثبت من هذا أن الفعل إذا بني للمجهول فإن النائب عن الفاعل هو ضمير القائل لأصحابه وانظر: البحر ٧/٣٦٢، ٣٦٣ ونفس رأي أبي حيان هو رأي الفراء في معانيه ٢/٣٨٧ وانظر أيضا البيان ٢/١٠٥ ومشكل الإعراب ٢/٢٣٦، ٢٣٧ وإعراب النحاس ٣/٤٢٣ ومعاني الزجاج ٤/٣٠٤..
٤١ كذا هي في الدر المصون و "أ". وحذفت من ب..
٤٢ وحروف الجر والظروف يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها..
٤٣ قاله في الدر المصون ٤/٥٥٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية