وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب عنه بالإفراد فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
عند تعذيبهم أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
(١٠٩) أي أم من الذي يكون حافظا لهم من عذاب الله وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً
أي قبيحا ويحزن به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع لقتادة ومن رمي اليهودي بالسرقة. أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
كالحلف الكاذب ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
بالتوبة الصادقة يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً
لذنوبه رَحِيماً
(١١٠) حيث قبل توبته
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً
أي ذنبا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
فلا يتعدى ضرره إلى غيره فليحترز عن إقبال نفسه للعقاب عاجلا وآجلا والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة، ولذلك لم يجز وصف الله تعالى بذلك وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً
بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبة حَكِيماً
(١١١) تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب وأن لا يحمل نفسا وازرة وزر نفس أخرى وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً
أي صغيرة أو قاصرة على الفاعل، أو ما لا ينبغي فعله بالعمد أو بالخطإ أَوْ إِثْماً
أي كبيرة أو ما يتعدى إلى الغير كالظلم والقتل أو ما يحصل بالعمد ثُمَّ يَرْمِ بِهِ
أي يقذف بذلك الذنب بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
(١١٢) أي فقد أوجب على نفسه عقوبة بهتان عظيم وعقوبة ذنب بيّن.
فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكم وهو بريء منه فصاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله تعالى: بُهْتاناً
إشارة إلى الذم العظيم في الدنيا.
وقوله تعالى: إِثْماً مُبِيناً
إشارة إلى العقاب العظيم في الآخرة وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ
بإعلامك ما همّ عليه بالوحي وَرَحْمَتُهُ
بتنبيهك على الحق أو المعنى لولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة، وبالرحمة وهي العصمة لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ
أي لأرادت طائفة من قوم طعمة أن يلقوك في الحكم الباطل وذلك لأن قوم طعمة قد عرفوا أنه سارق، ثم سألوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يجادل عنه ويبرئه عن السرقة وينسب تلك السرقة إلى اليهودي وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
أي إنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل فأنت ما وقعت فيه لأنه تعالى عاصمك ولأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال وأنت ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ
أي القرآن وَالْحِكْمَةَ
أي علم الشرائع وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
من أمور الدين وأسرار الكتاب والحكمة وأخبار الأولين وحيل المنافقين وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
(١١٣) وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف المناقب والفضائل مع أن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا في نجوى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ واجبة أو مندوبة أَوْ مَعْرُوفٍ وهو أصناف أعمال البر كالقرض وإغاثة الملهوف أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ عند وقوع المعاداة بينهم من غير مجاوزة حدود الشرع في ذلك وذلك كما
قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف
أو نهي عن منكر أو ذكر الله»
«١». وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي هذا المذكور من الصدقة وفنون الجميل والإصلاح، أو ذلك الأمر بهذه الأقسام الثلاثة كأنه قيل: ومن يأمر بذلك ويجوز أن يراد بالفعل الأمر، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر فعل من الأفعال أي ومن يأمر بذلك ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي طلب رضوان الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) أما إذا أتى بذلك للرياء والسمعة صار من أعظم المفاسد. وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النية وتصفية القلب عن داعية الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله.
وقرأ أبو عمرو وحمزة «يؤتيه» بالياء مناسبة للغيب في قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ. والباقون بنون العظمة مناسبة لقوله تعالى الآتي نوله ونصله وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥).
روي أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن الله تعالى هتك ستره وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد وذهب إلى مكة، ونقب جدار إنسان لأجل السرقة، فتهدم الجدار عليه ومات، فنزلت هذه الآية، ومعناها: ومن يخالف الرسول في الحكم من بعد ما ظهر له بالدليل صحة دين الإسلام ويتبع دينا غير دين الموحدين نتركه إلى ما اختار لنفسه، ونخله إلى ما اعتمد عليه في الدنيا وندخله جهنم في الآخرة وبئس مصيره جهنم. وذلك أن طعمة قد تبين له بما أوحى الله تعالى من أمره- من أنه سارق- ما دله ذلك على صحة نبوة سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم فعادى الرسول وأظهر الشقاق وترك دين الإسلام واتبع دين عبادة الأصنام إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إذا مات على الشرك وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ أي الشرك لِمَنْ يَشاءُ سواء حصلت التوبة أو لم تحصل.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن شيخا من العرب جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ولم أتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جراءة على الله تعالى، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا وأني لنادم تائب مستغفر فما ترى حالي عند الله تعالى؟ فنزلت هذه الآية. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (١١٦) عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة أما من لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيدا فلا يصير محروما عن الرحمة، ثم بيّن الله تعالى كون الشرك ضلالا بعيدا فقال: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً أي ما يعبد المشركون من أهل مكة إلا أوثانا يسمونها باسم الإناث كقولهم: اللات، والعزى، ومناة. واللات: تأنيث العزيز. ومناة: تأنيث المنان. أو لأنهم كانوا يزينونها على هيآت النسوان.
وقرأت عائشة رضي الله عنها «إلّا أوثانا». وابن عباس «إلّا إثنا». جمع وثن مثل أسد وأسد، والهمزة بدل من الواو المضمومة. وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ أي وما يعبدون إلّا شيطانا شديد البعد عن الطاعة طرده الله من كل خير لأن إبليس هو الذي أمرهم بعبادة الأوثان فكانت طاعته في ذلك عبادة له. وَقالَ أي الشيطان عند ذلك لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) أي لأجعلن لي من عبادك حظا مقدرا معينا وهم الذين يتبعون خطوات إبليس ويقبلون وساوسه.
وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس».
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الهدى وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أي ألقين في قلوبهم الأماني وهي تورث شيئين:
الحرص، والأمل. وهما يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، ويلازمان للإنسان.
قال صلّى الله عليه وسلّم: «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان: الحرص والأمل»
«١». اه. فالحرص يستلزم ركوب الأهوال فإذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلّا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ، فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة وَلَآمُرَنَّهُمْ بالتبتيك أي شق آذان الناقة فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ فإن العرب كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها وَلَآمُرَنَّهُمْ بالتغيير فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ صورة أو صفة كإخصاء العبيد وفقء العيون وقطع الآذان والوشم والوشر، ووصل الشعر. فإن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفا عوروا عين فحلها. ويدخل في هذه الآية التخنث والسحاقات لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقا، لكن الفقهاء رخصوا في البهائم للحاجة فيجوز في المأكول الصغير وبحرم في غيره. وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) أي بتضييع أصل ماله وهو الدين الفطري كما
قال صلّى الله عليه وسلّم: «كل مولود يولد على الفطرة- أي دين الإسلام- ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»
«٢». وذلك لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة وطاعة الشيطان تفيد
(٢) رواه البخاري في كتاب القدر، باب: الله أعلم بما كانوا عاملين، ومسلم في كتاب القدر، باب: ٢٢، وأبو داود في كتاب السنّة، باب: في ذراري المشركين، والترمذي في كتاب القدر، باب: ٥، والموطأ في كتاب الجنائز، باب: جامع الجنائز، وأحمد في (م ٢/ ص ٢٣٣).
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي