وقوله - تعالى -: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ...) الآية، وقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ...) الآية.
وعن علقمة والأسود قالا: قال عبد اللَّه: إن في كتاب اللَّه لآيتين، ما أصاب عبد ذنبها فقرأهما، ثم استغفر اللَّه إلا غفر له: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ...) إلى آخر الآية، وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، وقوله - تعالى -أيضًا-: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا) يحتمل كل واحد منهما أنه الآخر؛ كرر على التأكيد فيما جرى له الذكر.
ويحتمل التفريق: أن يكون سوءًا إلى الناس وخطيئة إليهم، أو يظلم نفسه: بما يأثم بما بينه وبين اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ... (١١١) لأن حاصله يرجع إليه؛ فكأنه كسب على نفسه.
وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا... (١١٢)
يحتمل: أن يكون قوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا) واحدًا: الخطيئة هي الإثم، والإثم هو الخطيئة.
وقيل: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً) سرقته الدرع (أَوْ إِثْمًا): يقول بيمينه الكاذبة: أنه لم يسرقها، وإنما سرقها فلان اليهودي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا)
قيل: لما طلب في داره رماها في دار اليهودي، ثم حلف باطلا وزورًا: أنه لم يسرقها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).
يقول: كذبا على آخر بما لم يفعل.
والبهتان: هو أن يبهت الرجل الرجل كذبًا بما لم يفعل، (وَإِثْمًا مُبِينًا): بيمينه الكاذبة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ... (١١٣)
قال أكثر أهل التأويل: نزلت هذه الآية في شأن طعمة الذي سرق درع جار له
بالذي سبق ذكره، وقالوا: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ)، أي: يخطئوك، وليس هو الإضلال في الدِّين، ولكن إن كان كما قالوا فهو تخطئة الحكم.
ويحتمل قوله: (أَنْ يُضِلُّوكَ)، أي: يجهلوك في حكم السرقة.
ويجوز أن يكون جاهلا في سرقته؛ لمَّا لم يدر أنه سرق، وكان يصدقه في الحكم أنه لم يسرق؛ لأنه إنما كان يعلم الأشياء بالوحي، ثم أعلم أنه قد سرق.
ويحتمل: أن تكون الآية في الكفار كلهم؛ لأن الكفرة والمنافقين لم يزل كانوا يريدون أن يضلوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الهدى، ويصرفوه عنه؛ كقوله - تعالى -: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)، وكقوله - تعالى -: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا).
ثم يحتمل قوله - تعالى -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ)؛ حيث عصمك بالنبوة؛ وإلا لأضلوك عن سبيل اللَّه: الهدى، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ) أي: بالعصمة، (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا).
والثاني: ولولا فضل اللَّه عليك ورحمته؛ حيث أعلمك بالحكم في ذلك، وبصّرك به بالوحي، وصرفك عن تصديق ذلك الخائن، إن ثبت ما قالوا؛ وإلا لهموا أن يخطئوك ويجهلوك فيه.
ثم في الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنه مَنَّ على رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه عصمه، وهم يقولون: كان عليه أن يعصمه، وهو كان يستحق ذلك قبله. فلو كان عليه ذلك لم يكن للامتنان عليه بذلك معنى؛ إذ فعلَ ما كان عليه أن يفعل؛ على زعمهم، ومن فعل فعلا عليه ذلك - لم يقل إنه تفضَّلَ؛ دل أنه ليس كما قالوا، وباللَّه التوفيق والعصمة.
وقوله -أيضًا-: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) يخرج على وجهين:
أحدهما: يكفهم عما هموا.
والثاني: يعصمه عما راموا فيه أن يظفروا منه بعد أن أظهروا ما طلبوا.
وقوله: (يُضِلُّوكَ): يجهلوك الحكم بالتلبيس وأنواع التمويه يرجع ذلك إلى نازلة.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم