ومن يكسب خطيئة أو إثما
في الآيات السابقة ذكر سبحانه أحوال المنافقين والذين يختانون أنفسهم وأشار إلى الذين يرتكبون الشر، ويرمون به غيرهم وما يجب أن يكون عليه القاضي المنصف الذي يرد الحقوق إلى أصحابها وتكون عنده المقاسم الحقيقية للحق والباطل، وكل ذلك في الأحكام الدنيوية. وفي هذا النص يبين سبحانه مراتب العصاة أمام الله تعالى، فذكر ثلاث مراتب : المرتبة الأولى مرتبة التوابين، والثانية مرتبة الذين لا تتعدى آثامهم أنفسهم أو لا يرمون بها غيرهم والثالثة وهي التي تنال أشد الجزاء الأخروي بعد الخزي الدنيوي، هي التي ترتكب الشر وترمي به غيرها. وقد بين الله سبحانه المرتبة الأولى بقوله تعالى : ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما
الخطأ هو العدول عن الجهة وقد قال في تفسيره الأصفهاني في مفرداته :( الخطأ العدول عن الجهة، وذلك أضرب : أحدها- أن يريد غير ما تحسن إرادته، وهو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، يقال خطئ يخطأ خطئا، وخطأة، قال تعالى :... إن قتلهم كان خطئا كبيرا( ٣١ ) ( الإسراء ) وقال تعالى :... وإن كنا لخاطئين( ٩١ ) ( يوسف ). والثاني- أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع منه خلاف ما يريد، فيقال : أخطأ، إخطاء فهو مخطئ، وهذا قد أصاب في الإرادة، وأخطأ في الفعل وهذا هو المعنى بقوله عليه الصلاة والسلام :"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"١، وبقوله عليه الصلاة والسلام :"من اجتهد فأخطأ فله أجره"٢، وقوله تعالى :... ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة( ٩٢ ) ( النساء ) والثالث- أن يريد ما لا يحسن فعله، فيقع خلافه، فهذا يخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل ).
ومنها يتبين أن الخطأ الكامل ما يكون انحرافا في الإرادة، بأن يريد ما لا تصح إرادته، ويأثم بهذه الإرادة، ومن ذلك كلمة "خطيئة"فإنها تستعمل في كثير من آي القرآن فيمن يرتكب الشر، منحرف النفس، حتى أنه يصدر عنه من غير تكلف، ولا معاناة، ومن ذلك قوله تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته...( ٨١ )( البقرة وقوله تعالى أيضا :... ولا تزد الظالمين إلا ضلالا( ٢٤ )مما خطيئاتهم أغرقوا...( ٢٥ ) ( نوح )، وكانت الخاطئة هي الذنب العظيم، ومن ذلك قوله تعالى :... والمؤتفكات بالخاطئة( ٩ ) ( الحاقة ).
وعلى ضوء هذه المعاني نقول : إن الخطيئة هنا في قوله تعالى : ومن يكسب خطيئة هي الذنب العظيم، الذي تمرست به النفس، حتى صار وصفا من أوصافها، يصدر عنها من غير قصد، بل هو انحراف النفس التي أحاطت بها ظلمات الشر، والإثم هو الذنب المبطئ عن الاتجاه إلى الله بالاستغفار.
وإن جريمة هؤلاء جريمتان : إحداهما ارتكاب الشر والإيغال فيه، والثانية أنهم يرمون البرآء به، ولذا قال تعالى : ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا .
وإن هذه الجريمة تتضمن هي الأخرى في ثناياها جريمتين : إحداهما البهتان، وهو الكذب الذي لا يتصور عند أهل الخير وقوعه، والثانية إثم واضح، وهو إلقاء التبعة على الغير، إذ إنه كذب حير البرىء وأذهله.
وإن هؤلاء، مع هذه الذنوب التي يرتكبونها، منافقون يظهرون غير ما يبطنون، وهم شر الجماعة الذين يسعون بالفساد في الأرض، وأن السعاية التي يرتكبونها بنفاقهم توجب قطعهم عن الأمة، ولقد أوجب بعض الفقهاء عقابهم.
وإن هؤلاء يفسدون الحكام على شعوبهم، ويسعون في الأرض فسادا بجرمهم، وإن الله يحذر نبيه من أمثالهم، وهو قدوة حسنة لكل الحكام.
٢ عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"، (البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة أجر الحاكم إذا اجتهد(٧٣٥٢)، ومسلم: الأقضية -أجر الحاكم(١٧١٦)..
زهرة التفاسير
أبو زهرة