ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

وبعد بيان هذه الأمور يقول الحق سبحانه وتعالى : تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ١٣ .
الأحكام المتقدمة والأمور السابقة كلها حدود الله، وحين يحد الله حدودا.. أي يمنع أن يلتبس حق بحق، أو أن يلتبس حق بباطل ؛ فهو الذي يضع الحدود وهو الذي فصل حقوقا عن حقوق.
ونحن عندما نقوم بفصل حقوق عن حقوق في البيوت والأراضي فنحن نضع حدودا واضحة، ومعنى " حد " أي فاصل بين حقين بحيث لا يأخذ أحد ما ليس له من آخر. والحدود التي نصنعها نحن والتي قد لا يتنبه إليها كثير من الناس، هي نوعان : نوع لا يتعدى بالبناء، فعندما يريد واحد أن يبني، فالأول يبني على الأرض التي هي حق له، ويكون الجدران ملتصقين بعضهما ببعض. وعندما يزرع فلاح بجانب فلاح آخر فكل فلاح يزرع في أرضه وبين القطعتين حد، وهذا يحدث في النفع.
لكن لنفترض أن فلاحا يريد أن يزرع أرزا، وجاره لن يزرع أرزا، فالذي لن يزرع الأرز قد تأخذ أرضه مياها زائدة، فالمياه تصلح للأرز وقد تفسد غيره، ولذلك يكون الحكم هنا أن يقيم زارع الأرز حدا اسمه " حد الجيرة " ليمنع الضرر، وهو ليس " حد الملكية " فزارع الأرز هنا ينقص من زراعته مسافة مترين، ويصنع بهما حد الجيرة، حتى لا تتعدى المياه التي يروى بها الأرز إلى أرض الجار. إنه حد يمنع الضرر، وهو يختلف عن الحد الذي يمنع التملك.
إذن فمن ناحية حماية الإنسان لنفسه من أن يوقع الضرر بالآخرين عليه أن ينتبه إلى المقولة الواضحة :" لا تجعل حقك عند آخر حدك، بل اجعل حقك في الانتفاع بعيدا عن حدك "، وهذا في الملكية. وذلك إذا كان انتفاعك بما تملكه كله سيضر بجارك. وكذلك يعاملنا الله، ويقول في الأوامر :
تلك حدود الله فلا تعتدوها ( من الآية ٢٢٩ سورة البقرة ).
وفي النواهي يقول سبحانه :
تلك حدود الله فلا تقربوها ( من الآية ١٨٧ سورة البقرة ).
أي أنك إذا ما تلقيت أمرا، فلا تتعد هذا الأمر، وهذه هي الملكية، وإذا ما تلقيت نهيا فلا تقرب الأمر المنهي عنه. مثال ذلك النهي عن الخمر، فالحق لا يقول :" لا تشرب الخمر "، وانما يقول :" إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ". أي لا تذهب إلى المكان الذي توجد فيه من الأصل، كن في جانب وهذه الأشياء في جانب آخر.
ولذلك قلنا في قصة أكل آدم من الشجرة : أقال الحق :" لا تأكلا من الشجرة " ؟ أم قال ولا تقربا هذه الشجرة ؟ سبحانه قال :
ولا تقربا هذه الشجرة ( من الآية ١٩ من سورة الأعراف ).
وهذا حد اسمه " حد عدم المضارة " إنه أمر بعدم الاقتراب حتى لا يصاب الإنسان بشهوة أو رغبة الأكل من الشجرة. وكذلك مجالس الخمر لأنها قد تغريك. ففي الأوامر يقول سبحانه :" تلك حدود الله فلا تعتدوها " وهذا ما يتعلق بالملكية.
وفي النواهي يقول سبحانه :" تلك حدود الله فلا تقربوها " ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا الحديث :" الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في المشبهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " ١.
لذلك تجنب حدود الله. مثال ذلك قول الحق :
ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ( من الآية ١٨٧ سورة البقرة ).
إن الحق يأمر المعتكف بالمسجد أنه عندما تأتي له زوجه لتناقشه في أمر ما فعلى المؤمن أن يمتثل لأمر الله بعدم مباشرة الزوجة في المسجد. ولا يجعل المسائل قريبة من المباشرة، لأن ذلك من حدود الله. وسبحانه يقول :" تلك حدود الله فلا تقربوها ".
وهنا في مسائل الميراث يقول الحق :
تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك هو الفوز العظيم ١٣ ( سورة النساء ).
وكان يكفي ان يقول الحق من بعد بيان الحدود : " ومن يطع الله " ولكنه قال " ومن يطع الله ورسوله " وذلك لبيان أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان يضع حدودا من عنده لما حل، وأن يضع حدودا لما حرم. وهذا تفويض من الله لرسوله في أنه يشرع ؛ لذلك فلا تقل في كل شيء :" أريد الحكم من القرآن ".
ونرى من يقول : بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. هؤلاء لم يلتفتوا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم مفوض في التشريع وهو القائل :
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( من الآية ٧ سورة الحشر ).
إنه صلى الله عليه وسلم مفوض من الله، وهؤلاء الذين ينادون بالاحتكام إلى القرآن فحسب يريدون أن يشككوا في سنة رسول الله، إنهم يحتكمون إلى كتاب الله، وينسون أو يتجاهلون أن في الكتاب الكريم تفويضا من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرع.
هم يقولون : بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. وقولهم لمثل هذا الكلام دليل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقول، لأنهم لو لم يقولوا لقلنا :
يا رسول الله لقد قلت : روى المقدام بن معدي كرب قال : حرم النبي صلى الله عليه وسلم " أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي وغيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول : بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " ٢.
فكيف يا سيدي يا رسول الله ذلك، ولم يقل أحد هذا الكلام ؟.
إذن فقولهم الأحمق دليل على صدق الرسول فيما أخبر. ويسخرهم الحق فينطقون بمثل هذا القول لنستدل من قول خصوم النبي على صدق كلام النبي..
والحق يقول :" ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات " والذي يطيع الله ورسوله في الدنيا هو من أخذ التكليف وطبقه ويكون الجزاء هو دخول الجنة في الآخرة. لكن إدخال الجنة هل هو منهج الدين، أو هو الجزاء على الدين ؟.
إنه الجزاء على الدين، وموضوع الدين هو السلوك في الدنيا، ومن يسير على منهج الله في الدنيا يدخل الجنة في الآخرة، فالآخرة ليست موضوع الدين، لكن موضوع الدين هو الدنيا، فعندما تريد أن تعزل الدنيا عن الدين نقول لك : لم تجعل للدين موضوعا، إياك ؟ أن تقول : موضوع الدين هو الآخرة لأن الآخرة هي دار الجزاء، وفي حياتنا نأخذ هذا المثل : هل الامتحان موضوع المناهج، أو أن المناهج يقرأها الطالب طوال السنة، وهي موضوع الامتحان ؟.
إن المناهج التي يدرسها الطالب هي موضوع الامتحان، وكذلك فالدنيا هي موضوع الدين، والآخرة هي جزاء لمن نجح ولمن رسب في الموضوع ؛ لذلك فإياكم أن تقولوا : دنيا ودين، فلا يوجد فصل بين الدنيا والدين ؛ لأن الدنيا هي موضوع الدين. فالدنيا تقابلها الآخرة والدين لهما. الدنيا مزرعة والآخرة محصدة. بهذا نرد على من يقول : إن الدنيا منفصلة عن الدين.
ومن يطع الله ورسوله يدخله جنة واحدة أو جنتين أو جنات، وهل دلالة " من " للواحد ؟ لا، إن " من " تدل على الواحد، وتدل على المثنى وتدل على الجمع، مثال ذلك نقول : جاء من لقيته أمس ونقول أيضا : جاء من لقيتهما أمس، وتقول ثالثا : جاء من لقيتهم أمس... إذن ف " من " صالحة للمفرد والمثنى والجمع.
والحق هنا لا يتكلم عن مفرد هنا أو جمع. كما قلنا في أول الفاتحة :
إياك نعبد وإياك نستعين ٥ ( سورة الفاتحة ).
على الرغم من أن القياس أن تقول :" إياك نعبد وإياك نستعين ". لكن قال الحق سبحانه :" إياك نعبد وإياك نستعين " ليوضح لنا ان المؤمنين كلهم وحدة واحدة في العبادة.
وهناك من يقول إذا دلت :( من ) على المفرد فقد لحظنا لفظها، وإذا دلت على المثنى أو الجمع فقد لحظنا معناها.
ولمن يقول ذلك نقول : إن هذا الكلام غير محقق علميا ؛ لأن لفظ " من " لم يقل أحد إنه للمفرد. بل إنها موضوعة للمفرد والمثنى والجمع. فلا تقل : استعمل لفظ " من " مراعاة للفظ أو مراعاة للمعنى، لأن لفظ " من " موضوع لمعان ثلاثة هي المفرد والمثنى والجمع.
وقد سألني أخ كريم في جلسة من الجلسات : لماذا يقول الحق سبحانه في سورة الرحمن :
ولمن خاف مقام ربه جنتان ٤٦ ( سورة الرحمن ).
فقلت له : إن سورة الرحمن استهلها الحق سبحانه وتعالى :
الرحمن ١ علم القرآن٢ خلق الإنسان ٣ ( سورة الرحمن ).
وبعد ذلك قال الحق :
خلق الإنسان من صلصال كالفخار ١٤ وخلق الجان من مارج من نار ١٥ ( سورة الرحمن ).
وقال سبحانه :
سنفرغ لكم أيها الثقلان ٣١ ( سورة الرحمن ).
وقال تعالى : يا معشر الإنس والجن إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ٣٣ ( سورة الرحمن ).
إذن فمن خاف مقام ربه، هو من الجن أو من الإنس، إن كان من الجن فله جنة، وإن كان من الإنس فله جنة أخرى. إذن فمن خاف مقام ربه فله جنتان.
وهناك من يقول جنتان لكل واحد من الإنس والجن، لأن الله لا يعاني من أزمة أماكن، فحين شاء أزلا أن يخلق خلقا أحصاهم عدا من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، وعامل الكل على أنه مؤمن مطيع، وأنشأ لكل واحد مكانه في الجنة، وعامل سبحانه الكل على أنه عاص، وأنشأ له مقعدا في النار، وذلك حتى لا يفهم أحد أن المسألة هي أزمة أماكن.
فإذا دخل صاحب الجنة جنته، بقيت جنة الكافر التي كانت معدة له على فرض أنه مؤمن ؛ لذلك يقول الحق :
وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ٧٢ ( سورة الزخرف ).
فيرث المؤمنون ما كان قد أعد لغيرهم لو آمنوا.
إذن فالمعاني نجدها صوابا عند أي أسلوب من أساليب القرآن.
وهنا يقول الحق :" يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار " ويجب ان نفهم ان النهر هو الشق الذي يسيل فيه الماء وليس هو الماء، الحق يقول :" جنات تجري من تحتها الأنهار " فأين تجري الأنهار ؟.
أتجري الأنهار تحت زروعها، ام تحت بنيانها ؟ ونعرف أن الزروع هي التي تحتاج إلى مياه، ونحن نريد أن نبعد المياه عن المباني كيف ؟ ولكن ليس هناك شيء مستحيل على الله ؛ لأنها تصميمات ربانية.
فالخلق قد تشق نهرا، ونجد من بعد ذلك النشع يضرب في المباني، لكن تصميمات الحق بطلاقة القدرة ؛ تكون فيه الجنات تجري من تحتها مياه الأنهار، ولا يحدث منها نشع، سواء من تحت أبنية الجنات أو من تحت زروعها والذي يقبل على أسلوب ربه ويسأله أن يفيض عليه ويلهمه، فهو سبحانه يعطيه ويمنحه فالحق مرة يقول :" جنات تجري من تحتها الأنهار " ومرة أخرى يقول :" جنات تجري تحتها الأنهار " فهذا ممكن وذاك ممكن.
فقوله سبحانه " جنات تجري تحتها الأنهار " قد يشير إلى أن الأنهار تكون آتية من موقع آخر وتجري وتمر من تحت الجنات. لا. هي تجري منها أيضا يقول الله تعالى :" جنات تجري من تحتها الأنهار " حتى لا يظن أحد ان هناك من يستطيع أن يسد عنك المياه من أعلى. إنها انهار ذاتية. وعندما نقرأ أن الأنهار تجري من تحت الجنات بما فيها ومن فيها من قصور فقد يقول قائل : ألا أستطيع أن آخذ من هذه و

١ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير..
٢ رواه الطبراني في الأوسط عن جابر..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير