ﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ

(وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)
* * *
أي إنه إذ لم يستطيعا إصلاح ما بينهما، ولم يصلح غيرُهما ذلك الإصلاح لم يبق إلا أن يتفرقا، وهذا ما تقتضيه الفطرة، ولذلك أسند التفرق إليهما معا، لَا إلى أحدهما! لأن التفرق بالطلاق نتيجة تفرق القلوب، وإنه إذا كانت هذه الحال أغنى الله كلِ واحد عن الآخر من سعة الرحمة التي يرحم بها عباده، (وَكَانَ اللهُ وَاسِعَا حَكِيمًا) وكان الله تعالى ولا يزال واسع الرحمة فكلمة " واسعا " على تقدير مضاف، وهو الرحمة، وكان ولا يزال حكيما، يشرع بعباده بمقتضى حكمته ما هو أصلح لهم، ولو كانت النفوس تنزعج له أو تبغضه، وإن المرأة الفاضلة الكريمة إذا أعرض زوجها أو استعلى عليها ولم يمكن إصلاح ستجد من المجتمع من يقدر فضلها، ويبدلها من الناشز عدلا من الرجل، اللهم أصلح أمورنا، وابسط المودة بيننا، إنك سميع الدعاء.
* * *
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)
* * *

صفحة رقم 1886

فى الآيات السابقة ذكر سبحانه وتعالى ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين، وما يجب من علاج لأدواء النفوس فيها، ووجوب العدالة الممكنة بها، وما يجب عند تعذر العدالة الحقيقية، وأنه إذا تعصى الداء، وتعذر العلاج كان الفراق آخر الدواء، وفي هذه الحال يكون كلاهما في سعة من رحمة الله الواسعة، وفى هذه الآيات يشير سبحانه إلى سعة ملكه، وأن كل شيء في ملْكهِ وتحت سلطانه، فهو الذي يغني كلا، وهو القادر على كل شيء، وأنه بعد بيان عظم قدرته وسلطانه يبين وجوب العدالة بين الناس في علاقاتهم بعضهم ببعض، كما يقول سبحانه: (يَا أَيّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ بِالْقسْط شُهَدَاءَ للَّه...)، وقد توسطت هذه الآيات الدَّالة علي عظم سلطَان الله تعالى بين الأمر بالعدل في داخل الأسرة، وهي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وبين الأمر بالعدالة في المجتمع الأكبر، وكان ذلك التوسط لتربية المهابة من الله في قلب المؤمن، فيتجه إلى العدل الذي هو ميزان العلاقات الإنسانية كلها.
وقد جاء في تفسير الطبري وجه آخر للمناسبة قال فيه ما نصه: " وإنما ذكر جل ثناؤه ذلك بعقب قوله: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كلًّا مِّن سَعَتِهِ) تنبيها منه لخلقه على موضع الرهبة عند فراق أحدهم زوجه، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه وزوجه، وتذكيرا منه أنه هو الذي له الأشياء كلها، وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذر عليه أن يغنيه وكل ذي فاقة وحاجة ويؤنس كل ذي وحشة ".

صفحة رقم 1887

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية