ما استفهامية بمعنى النفي فى محل النصب بيفعل اى أي شىء يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ الباء سببية متعلقة بيفعل اى بتعذيبكم إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ اى أيتشفى به من الغيظ أم يدرك به الثأر أم يستجلب به نفعا أم يستدفع به ضررا كما هو شأن الملوك اى لا يفعل بعذاب المؤمن الشاكر شيأ من ذلك لان كل ذلك محال فى حقه تعالى لانه تعالى غنى لذاته عن الحاجات منزه عن جلب المنفعة ودفع المضرة واما تعذيب من لم يؤمن او آمن ولم يشكر فليس لمصلحة تعود اليه تعالى بل لاستدعاء حال المكلف ذلك كاستدعاء سوء المزاج المرض والمقصود منه حمل المكلفين على الايمان وفعل الطاعات والاحتراز عن القبيح وترك المنكرات فكأنه قيل إذا أتيتم الحسنات وتركتم المنكرات فكيف يليق بكرمه ان يعذبكم وتعذيبه عباده لا يزيد فى ملكه وتركه عقوبتهم على فعلهم القبيح لا ينقص من سلطانه وجواب ان شكرتم محذوف لدلالة ما قبله عليه اى ان شكرتم وآمنتم فما يفعل بعذابكم. والشكر ضد الكفر والكفر ستر النعمة فالشكر إظهارها وانما قدم الشكر على الايمان مع ان الايمان مقدم على سائر الطاعات ولاثبات مع عدم الايمان لما انه طريق موصل اليه فان الناظر يدرك اولا ما عليه من النعم الانفسية والآفاقية فيشكر شكرا مبهما ثم يترقى الى معرفة المنعم بعد إمعان النظر فى الدلائل الدالة على ثبوته ووحدته فيؤمن به وَكانَ اللَّهُ شاكِراً الشكر من العبد هو الاعتراف بالنعمة الواصلة اليه مع ضروب من التعظيم ومن الله تعالى الرضى اى راضيا باليسير من طاعة عباده وأضعاف الثواب مقابلة واحدة الى عشرة الى سبعمائة الى ما شاء من الأضعاف عَلِيماً بحق شكركم وايمانكم فيستحيل ان لا يوفيكم أجوركم فينبغى لطالب الحق ان يخضع له خضوعا تاما ويشكره شكرا كثيرا. قال الجرجاني فى قوله تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ اى لئن شكرتم القرب لأزيدنكم الانس. وعن على رضى الله عنه إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر معناه من لم يشكر النعم الحاصلة لديه الواصلة اليه حرم النعم الفائتة منه القاصية عنه
| چون بيابى تو نعمتى در چند | خرد باشد چونقطه موهوم |
| شكر آن يافته فرو مگذار | كه زنا يافته شوى محروم |
اى نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم كما قالت اليهود نؤمن بموسى والتوراة وعزير ونكفر بما وراء ذلك وما ذلك الا كفر بالله تعالى ورسله وتفريق بين الله ورسله فى الايمان لانه تعالى قد أمرهم بالايمان بجميع الأنبياء وما من نبى من الأنبياء الا وقد اخبر قومه بحقية دين نبينا ﷺ فمن كفر بواحد منهم كفر بالكل وبالله تعالى ايضا من حيث لا يحتسب وَيُرِيدُونَ بقولهم ذلك أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا اى طريقا وسطا بين الايمان والكفر ولا واسطة بينهما قطعا إذا لحق لا يختلف فان الايمان بالله انما يتم بالايمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلا واجمالا فالكافر ببعض كالكافر بالكل فى الضلال كما قال فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ أُولئِكَ الموصوفون بالصفات القبيحة هُمُ الْكافِرُونَ اى الكاملون فى الكفر لا عبرة بما يدعونه ويسمونه ايمانا أصلا حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة اى حق ذلك اى كونهم كاملين فى الكفر حقا او صفة لمصدر الكافرون اى هم الذين كفروا كفرا حقا اى يقينا محققا لا شك فيه وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً سيذوقونه عند حلوله ويهانون فيه ثم انه تعالى لما ذكر وعيد الكفار اتبعه بذكر وعد المؤمنين فقال وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بان يؤمنوا ببعضهم ويكفروا بآخرين كما فعله الكفرة وانما دخل بين على أحد وهو يقتضى متعددا لعمومه من حيث انه وقع فى سياق النفي فهو بمنزلة ولم يفرقوا بين اثنين او بين جماعة أُولئِكَ المنعوتون بالنعوت الجليلة المذكورة سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ اى الله تعالى أُجُورَهُمْ الموعودة لهم وسمى الثواب اجرا لان المستحق كالاجرة وسوف لتأكيد الوعد اى الموعود الذي هو الإيتاء والدلالة على انه كائن لا محالة وان تأخر وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما فرط منهم رَحِيماً مبالغا فى الرحمة عليهم بتضعيف حسناتهم. والآية الاولى تدل على ان الايمان لا يحصل بزعم المرء وحسبانه انه مؤمن وانما يحصل بحصول شرائطه ونتائجه منه فمن نتائجه ما ذكر فى الآية الثانية من عدم التفريق بين الرسل ومن نتائجه القبول من الله والجزاء عليه فمن اخطأه النور عند الرش على الأرواح فقد كفر كفرا حقيقيا ولذلك سماهم الله فى الكفر حقا ومن أصابه النور عند ذلك فقد آمن ايمانا حقيقيا ولذلك لا ينفع الاول توسط الايمان كما لا يضر الثاني توسط العصيان: قال السعدي قدس سره
| قضا گشتى آنجا كه خواهد برد | وگر ناخدا جامه بر تن درد |
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء