الفاروق»
«١»، وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف سمي بذلك لشبهه بالشيطان في فرط طغيانه
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي أقبلوا إلى القرآن الذي فيه الحكم وَإِلَى الرَّسُولِ الذي تجب طاعته ليحكم بينكم رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) أي أبصرت المنافقين يعرضون عنك إلى غيرك إعراضا بالكلية فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ أي كيف يكون حالهم وقت إصابة المصيبة إياهم بقتل عمر صاحبهم بظهور نفاقهم بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بسبب ما عملوا من التحاكم إلى الطاغوت والإعراض عن حكمك ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أي ثم جاءك أهل المنافق مطالبين عمر بدمه وقد أهدره الله ويحلفون بالله كذبا للاعتذار، فقالوا: ما أراد صاحبنا المقتول التحاكم إلى عمر إلّا أن يصلح ويجعل الاتفاق بينه وبين خصمه ويأمر كل واحد من الخصمين بتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة، وأنت يا رسول الله لا تحكم إلا بالحق المر ولا يقدر أحد على رفع الصوت عندك أُولئِكَ أي المنافقون الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق والغيظ والعداوة فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا تقبل منهم ذلك العذر ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فإن من هتك ستر عدوه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي بإظهار العداوة فيزداد الشر، وإذا تركه على حاله بقي في وجل فيقل الشر. وَعِظْهُمْ أي ازجرهم عن النفاق والكيد والحسد والكذب وخوفهم بعذاب الآخرة وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أي خاليا بهم ليس معهم غيرهم لأن النصيحة على الملأ تقريع في السر محض المنفعة قَوْلًا بَلِيغاً (٦٣) أي مؤثرا وهو التخويف بعقاب الدنيا بأن يقول لهم: إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الإيمان فإن واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر لكل الناس بقاؤكم على الكفر وحينئذ يلزمكم السيف. وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ أي وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته بتوفيقنا وإعانتنا فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله تعالى وهذه الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها ودالة على أن الأنبياء معصومون عن المعاصي والذنوب، ودالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان إلا بإرادة الله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بترك طاعتك جاؤُكَ وبالغوا في التضرع إليك لينصبوك شفيعا لهم فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي أظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ بأن يسأل الله أن يغفر الذنوب لهم عند توبتهم لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً أي
يقبل توبتهم رَحِيماً (٦٤) أي يرحم تضرعهم ولا يرد استغفارهم، والفائدة في العدول في قوله تعالى: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة إجلال شأن رسول الله فإن شأنه أن يستغفر لمن عظم ذنبه وإنهم إذا جاءوه فقد جاءوا من خصه الله تعالى برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه وذلك مثل قول الأمير: حكم الأمير بكذا بدل قوله: حكمت بكذا فَلا وَرَبِّكَ لا مزيد لتأكيد معنى القسم كما زيدت في لئلا يعلم لتأكيد وجوب العلم أو مفيدة لنفي أمر سبق. والتقدير ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك فوربك لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أي حتى يجعلوك حاكما فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي فيما اختلف بينهم من الأمور فتقضي بينهم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي صدورهم حَرَجاً أي ضيقا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) أي وينقادوا لك انقيادا تاما بظواهرهم.
قال عطاء ومجاهد والشعبي: إن هذه الآية في قصة اليهودي والمنافق فهذه الآية متصلة بما قبلها، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: نزلت في الزبير ابن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء فقضى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للزبير وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ أي ولو أوجبنا عليهم قتل أنفسهم أو الخروج عن أوطانهم في توبتهم كتوبة بني إسرائيل ما فعلوا أحد الأمرين بطيبة النفس إلّا قليل منهم وهم المخلصون من المؤمنين. والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس لما فعله إلا الأقلون وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم بل اكتفينا منهم في توبتهم بالتسليم لحكمك فليقبلوه بالإخلاص حتى ينالوا خير الدارين.
روي أن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ناظر يهوديا، فقال اليهودي: إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه فقال: يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك.
وروي أن ابن مسعود وعمار بن ياسر فالأمثل ذلك فنزلت هذه الآية
وعن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك قال صلّى الله عليه وسلّم وأشار إلى عبد الله بن رواحة: «لو أن الله كتب ذلك لكان هذا في أولئك القليل»
«١». أخرجه ابن أبي حاتم.
وَلَوْ أَنَّهُمْ أي المنافقين فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ أي ما يكلفون به لَكانَ أي فعلهم ذلك خَيْراً لَهُمْ أي لحصل لهم خير الدنيا والآخرة وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) لهم على الإيمان وسميت أوامر الله مواعظ لاقترانها بالوعد والترغيب وَإِذاً لو فعلوا ما أمروا به لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أي
لأعطيناهم من عندنا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) أي ثوابا وافرا في الجنة وكيف لا يكون عظيما وقد
قال صلّى الله عليه وسلّم: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»
«١». وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨) أي طريقا من عرصة القيامة إلى الجنة وحمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى، لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الأجر والدين الحق مقدم على الأجر، والطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج إليه بعد استحقاق الأجر وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ بأن يعرف أنه إله ويقر بجلاله وعزته واستغنائه عمن سواه وَالرَّسُولَ أي بأن ينقاد انقيادا تاما لجميع الأوامر والنواهي فَأُولئِكَ أي المطيعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي فإنهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا وإذا أرادوا الزيادة والتلاقي قدروا على الوصول إليهم بسهولة مِنَ النَّبِيِّينَ محمد صلّى الله عليه وسلّم وغيره وَالصِّدِّيقِينَ أي السابقين إلى تصديق الرسل فصاروا في ذلك قدوة لسائر الناس وهم أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وَالشُّهَداءِ أي الذين يشهدون بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان وأخرى بالسيف والسنان فالشهداء هم القائمون بالقسط، وأما كون الإنسان مقتول الكافر فليس فيه زيادة شرف لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق، ومن لا منزلة له عند الله والمؤمنون قد يقولون: اللهم ارزقنا الشهادة فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل فإنه غير جائز لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر وَالصَّالِحِينَ في الاعتقاد والعمل فإن الجهل فساد في الاعتقاد والمعصية فساد في العمل وهم الصارفون أعمارهم في طاعة الله وأموالهم في مرضاته وكل من كان اعتقاده صوابا وعمله غير معصية فهو صالح، ثم إن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل، وأخرى بالسيف، وقد يكون الصالح غير موصوف بكونه قائما بهذه الشهادة فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا، ولا عكس فالشهيد أشرف أنواع الصالح، ثم الشهيد قد يكون صديقا وقد لا. ومعنى الصديق هو الذي كان أسبق إيمانا من غيره وكان إيمانه قدوة لغيره فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا ولا عكس فثبت أن أفضل الخلق الأنبياء وبعدهم
الصديقون وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) أي ما أحسن أولئك المذكورين صاحبا في الجنة وحسن لها حكم نعم والمخصوص بالمدح محذوف
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي