المعنى الجملي : بعد أن أوجب سبحانه في الآية السالفة على جميع المؤمنين طاعة الله وطاعة الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه بل يريدون حكم غيره أخرج الطبراني عن ابن عباس قال :" كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله تعالى : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا – إلى قوله –إلا إحسانا وتوفيقا .
و أخرج ابن جرير عن الشعبي قال : كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي : أحاكمك إلى أهل دينك أو قال إلى النبي لأنه قد علم أنه لا يؤخذ الرشوة في الحكم فاختلفا ثم اتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فنزلت.
تفسير المفردات :
فأعرض عنهم : أي اصرف وجهك عنهم وعظهم : أي ذكرهم بالخير على الوجه الذي ترق له قلوبهم قولا بليغا : أي يبلغ من نفوسهم الأثر الذي تريد أن تحدثه فيها.
الإيضاح :
أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم هذا أسلوب يستعمل فيما يعظم من خير أو شر مسرة أو حزن فيقول الرجل لمن يحبه ويحفظ وده : الله يعلم ما في نفسي لك أي إنه لكثرته وقوته لا يقدر على معرفته إلا الله تعالى ويقول في العدو الماكر المخادع : الله يعلم ما في قلبه أي إن ما في قلبه من الخبث والخديعة باغ حدا كبيرا لا يعلمه إلا علام الغيوب.
فالمعنى هنا أن ما في قلوبهم من الكفر والحقد والكيد وتربص الدوائر بالمؤمنين بلغ من الفظاعة مقدارا لا يحيط به إلا من يعلم السر وأخفى.
فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا طلب إليه سبحانه أن يعاملهم بثلاثة أشياء :
الإعراض عنهم وعدم الإقبال عليهم بالبشاشة والتكريم إذ هذا يحدث في نفوسهم الهواجس والخوف من سوء العاقبة وهم لم يكونوا على يقين من أسباب كفرهم ونفاقهم وكانوا يحذرون أن تنزل عليه سوره تنبئهم بما في قلوبهم وإذا استمر هذا الإعراض عنهم ظنوا الظنون وقالوا لعله عرف ما في نفوسنا لعله يريد أن يؤاخذنا بما في بواطننا.
النصح والتذكير بالخير على وجه ترق له قلوبهم ويبعثهم على التأمل فيما يلقى إليهم من العظات والزواجر.
القول البليغ المؤثر في النفس الذي يغتمون به ويستشعرون منه الخوف بأن يتوعدهم بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق ويخبرهم بأن ما في نفوسهم من مكنونات الشر والنفاق غير خاف على العليم بالسر والنجوى وإنه لا فرق بينهم وبين الكفار وإنما رفع الله عنهم السيف لأنهم اظهروا الإيمان وأسروا الكفر وأضمروه فإن فعلوا ما ينكشف به غطاؤهم لم يبق إلا السيف وفي الآية شهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالقدرة على بليغ الكلام وتفويض أمر الوعظ والقول البليغ إليه لأن لكل مقام مقالا والكلام يختلف تأثيره باختلاف أفهام المخاطبين كما أن فيها شهادة له بالحكمة ووضع الكلام في مواضعه وهذا نحو ما وصف الله به نبيه داود وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ( ص : ٢٠ ).
قال القاضي عياض في كتابه ( الشفاء ) في وصف بلاغته صلى الله عليه وسلم :
أما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأرفع والموضع الذي لا يجهل قد أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم وعلم ألسنة العرب يخاطب كل أمة بلسانها ويحاورها بلغتها... حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موضع عن شرح كلامه وتفسير قوله... وليس كلامه مع قريش والأنصار وأهل الحجاز ونجد ككلامه مع ذي المعشار الهمداني وطهفة النهدي والأشعث بن قيس ووائل بن حجر الكندي وغيرهم من أقيال حضرموت وملوك اليمن اه
تفسير المراغي
المراغي