ﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝ

بهذا الربع، ختمت " سورة الأنعام " التي تعتبر بمنزلة الأم لكل ما نزل بعدها بمكة من القرآن الكريم، جولتها الحاسمة ضد معتقدات المشركين وبدعهم الضالة، بعدما أصلتها نارا حامية من حجج الله البالغة، فتناثرت أشلاؤها، وتبخرت أهواؤها، وبرزت عقائد الشرك على حقيقتها سفها لا يلحقه سفه، وبلها لا يعدله بله، على حد ما قاله ابن عباس رضي الله عنه، فجاء هذا الربع الأخير من سورة الأنعام بخلاصة الخلاصة ولب اللباب، وبما يشبه ذلك الحساب، يوضح خصائص الملة الإسلامية، ويجمل مبادئها النظرية والعلمية، ويحدد معالمها الاعتقادية والأخلاقية، وذلك في شكل وصايا إلهية لقنها الحق سبحانه وتعالى لرسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وأمره بتلقينها لأمته من بعده وتبليغها للناس كافة، حتى يهتدوا بهديها، ويعوضوا ما هو شر وأذى من عقائد الشرك وبدعه، بما هو خير وأبقى من عقائد الإسلام وبدائعه، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون وذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون .
ولهذا المعنى قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا إلى قوله تعالى لعلكم تتقون .
ورعيا للتناسب مع السياق الذي كانت عليه الآيات الكريمة في الربعين الماضيين، وهو سياق ما حرمته الجاهلية على نفسها من الحرث والأنعام، مما سفه وأبطله الإسلام، ابتدأ هذا الربع بقوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أي قل يا محمد للمشركين إذا أردتم أن تعرفوا ما هو حرام عليكم، عن علم وبينة، وعلى هدى من الوحي الإلهي الصحيح، فتعالوا لتسمعوا كلام الله الجامع المانع، وتعرفوا ما هو أساس الحرام وأصله، وما هو الحرام الذي لا حرام يعدله ولا حرام يفوقه، ألا وهو الشرك، وها هو الحق سبحانه وتعالى : يوصيكم قبل كل شيء ألا تشركوا به شيئا فالشرك هو أب الحرام، والشرك هو منبع الحرام، والشرك هو الكمامة التي يضعها الشيطان على عين الإنسان وعقله وقلبه، فيقتاده كالبهيمة العجماء، ويوسوس إليه بما يشاء، ويسخره لما يشاء، ولولا الشرك لما نشأ عند المشركين هذا النظام الفوضوي الفاسد، ولا نشأت عندهم هذه التقاليد الاجتماعية السخيفة، ولا ثبتت في عقولهم هذه الأفكار الطفيلية الوضيعة، فالشرك هو علة العلل في الفساد الاعتقادي والأخلاقي والاجتماعي، ولا دواء له إلا عقيدة التوحيد الإسلامية، التي تحرر الفكر والعقل من سيطرة الخيالات والأحلام، وتحرر القلب والنفس من سيطرة الأهواء والأوهام، وتعرف الإنسان بوضعه الطبيعي الصحيح بين سلسلة المخلوقات، وبعلاقته الطبيعية مع الكون والمكون، والخلق والخالق، فينطلق لأداء رسالته متحررا من جميع العقد النفسية، واثقا من نفسه وواثقا بالعناية الإلهية إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
وبعدما حدد كتاب الله المحرمات وقصرها في هذا السياق على الشرك وحده، باعتبار أن الشرك هو أب المحرمات ومنبعها الأساسي، كما أن الخمر هي " أم الخبائث " ابتدأ يعرض جملة من الوصايا الإلهية التي لا يقوم الإسلام بدونها.
فأشار إلى حقوق الوالدين وما يجب على الأولاد لهما من معاملة كريمة و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان كما أشار إلى حقوق الأولاد وما يجب على آبائهم من تضحية في سبيلهم، وبين كتاب الله أن نزول الفقر والإملاق بالوالدين لا ينبغي أن يكون مبررا لقتل ما ولد لهم من الأولاد وسفك دمائهم، كما كان يفعل بعض المشركين بأولادهم عندما يصيبهم الفقر والإملاق قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم فالله تعالى يتكفل برزق الوالدين الفقراء كما يتكفل برزق أولادهم، وهذه الوصية الإلهية مرتبطة بصالح الأسرة كل الارتباط، وهي دعوة صريحة إلى وجوب التكافل فيما بينها : تكافل الأولاد مع الوالدين، وتكافل الوالدين مع الأولاد، بحيث يكون كل من الطرفين في خدمة الآخر، مسرعا في كل وقت إلى معونته، مستعدا للتضحية في سبيله ونجدته دائما، وكذلك قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم .
ومن لطائف التفسير في هذا المقام ما لاحظه ابن كثير رحمه الله من الفرق بين هذه الآية نحن نرزقكم وإياهم بتقديم رزق الآباء على الأبناء، والآية الأخرى الواردة في سورة الإسراء نحن نرزقهم وإياكم بتقديم رزق الأولاد على الآباء، وهو أن الآية الوردة في هذا الربع تتحدث عن الآباء الفقراء فعلا، فجاء قوله تعالى : نحن نرزقكم وإياهم } بتقديم رزق الآباء على رزق الأولاد، لأنه هو الأهم هنا في السياق، بخلاف الآية الأخرى الواردة في سورة الإسراء، فقد جاء فيها ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق مما يدل على أن الآباء غير فقراء فعلا، وإنما يخشون الفقر بسبب الأولاد، فأمروا بأن لا يقتلوا أولادهم، خوفا من الفقر الذي يمكن أن يحدث لهم في مستقبل الأيام، ثم جاء التعقيب عليها بقوله تعالى : نحن نرزقهم وإياكم أي نحن نرزق أولئك الأولاد كما نرزقكم، وكان البدء هنا برزق الأولاد للاهتمام بهم، حيث إن رزقهم هو محور الحديث، أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم، فرزقهم على الله لا عليكم.
وانتقل كتاب الله من وصية الخاصة بالأسرة المسلمة إلى وصايا أخرى تتعلق بالمجتمع الإسلامي، والدولة الإسلامية على العموم.
وفي هذا الربع آية كريمة ينبغي الوقوف عندها وقفة خاصة، ألا وهي قوله تعالى : وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب، وإنه لغفور رحيم ، فقد حملها بعض المفسرين على استخلاف البشر عموما، وحملها بعضهم على استخلاف المسلمين خصوصا، وهي صالحة لكلا الوجهين عند التحقيق، إذ لا تعارض بينهما :
أما تفسيرها على الوجه الأول وهو أن الخطاب فيها موجه إلى عموم البشر، فمعناه أن الله تعالى قد اقتضت حكمته أن يتعاقب البشر على عمارة الأرض جيلا بعد جيل، بحيث لا ينقرض منهم جيل حتى يكون جيل آخر قد خلفه في عمارتها، إلى أن يحين أجل الفناء، لكل من عليها من الأحياء، كما تنبه الآية في نفس الوقت إلى ما يوجد من تفاوت بين الناس في الدرجات وفي المقامات، تبعا لتفاوتهم في الطباع والأخلاق، والطاقات والأرزاق، وتشير الآية بعد ذلك إلى ما يؤدي إليه هذا التفاوت من ابتلاء للبشر وامتحان، وسباق في الرهان، مما يتعرض معه الإنسان – إن أساء – للحساب والعقاب، وإن أحسن استحق المغفرة والرضوان، على غرار قوله تعالى في آية ثانية : ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون – " يونس – ١٤ " وقوله تعالى في آية ثالثة هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه، إن ربي قريب مجيب – " هود – ٦١ ".
وأما تفسيرها على الوجه الثاني، وهو أن الخطاب فيها موجه إلى المسلمين قبل غيرهم، فمعناه أن الله تعالى محقق وعده للمسلمين بالنصر والتمكين، والاستخلاف في الأرض على عباده المستضعفين، إن اهتدى المسلمون بهديه، ولم يخالفوا عن أمره ونهيه، ولم يتخلفوا عن الاستجابة لنداء الإيمان كلما دعاهم في السر والعلن، والإقامة والظعن، وإلا استحقوا العقاب بدل التواب، والنقمة بدل الرحمة، وهذا التفسير ينظر إلى قوله تعالى : في سورة النور الآية ٥٣ وعد الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون وقوله تعالى في سورة الحج الآية ٣٩ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير