ﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜﰝ

كثيرة مثل: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطور ٥٢/ ٢١] كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر ٧٤/ ٣٨] قُلْ: لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ ٣٤/ ٢٥]. وهذا المبدأ المقرر في هذه الآيات رد على ما كان عليه العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بجريرة أبيه وابنه وحليفه.
ويؤيد ذلك
ما رواه أبو داود عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: «ابنك هذا؟» قال: إي وربّ الكعبة، قال: «حقا» قال: أشهد به، قال: فتبسّم النّبي صلّى الله عليه وسلّم ضاحكا من ثبت (استقرار) شبهي في أبي، ومن حلف أبي علي، ثم قال: «أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه» وقرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.
أما قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت ٢٩/ ١٣] فهو مبيّن في الآية الأخرى في قوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل ١٦/ ٢٥] أي أن المضل يتحمّل أيضا إثم أتباعه في الضلالة، فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها وتبعه الناس عليها، فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضلّ شيء.
الاستخلاف في الأرض
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٥]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)

صفحة رقم 129

الإعراب:
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ دَرَجاتٍ مفعول رَفَعَ، بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ورفع بعضكم فوق بعض إلى درجات، فلما حذف حرف الجر اتصل الفعل به، فنصبه.
المفردات اللغوية:
خَلائِفَ الْأَرْضِ أي يخلف بعضكم بعضا فيها وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ بالمال والجاه وغير ذلك. لِيَبْلُوَكُمْ ليختبركم فِي ما آتاكُمْ أعطاكم، ليظهر المطيع منكم والعاصي. إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن عصاه وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ بهم.
المناسبة:
بعد أن أخبر الله تعالى أن مصير جميع الناس إلى الله للحساب والجزاء، ختم السورة بخاتمة رائعة هي أنهم يخلف بعضهم بعضا، لتستمر الحياة، ويتنافس الناس في الأعمال النافعة.
التفسير والبيان:
جعل الله الناس خلائف في الأرض، يخلف بعضهم بعضا فيها، بأن أهلك من قبلهم من القرون والأمم الخالية، واستخلفهم لعمارة الأرض بعدهم، وجعلهم أيضا خلفاء أرضه يملكونها ويتصرفون فيها: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد ٥٧/ ٧].
ورفع بعضكم فوق بعض درجات في الغنى والفقر، والشرف والجاه، والعلم والجهل، والخلق والشكل، والعقل والرزق. وهذا التفاوت ليس ما عجزا وجهلا وإنما لأجل الابتلاء والاختبار فيما أعطاكم، بأن يعاملكم معاملة المختبر لكم في ذلك، فيختبر الغني مثلا في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره، ويسأله عن صبره.

صفحة رقم 130

ثم يكون الجزاء على العمل، فقد يكون الإنسان مقصرا فيما كلف به، أو قائما به، فيأتي الجزاء تابعا للأعمال. ونظير الآية كثير في القرآن مثل:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ، وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد ٤٧/ ٣١].
وجاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».
وأمام الناس بعد هذا الابتلاء إما العقاب وإما الثواب: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وفيه ترهيب وترغيب، فإن حساب الله وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله، وهو أيضا شديد العذاب، لا يهمل وإن أمهل.
ووصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب، والعقاب إما في الدنيا بإلحاق الضرر في النفس أو العقل أو العرض أو المال، وإما في الآخرة بعذاب جهنم، وقد يكون الأمران معا.
وهو تعالى غفور للتائبين رحيم بالمحسنين المؤمنين الذين اتبعوا الرسل فيما جاؤوا به من تكاليف إذ رحمته سبقت غضبه، ووسعت كل شيء، فجعل الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعفها أضعافا كثيرة لمن يشاء، والسيئة بسيئة مثلها، وقد يغفرها لمن تاب منها، ويسترها في الدنيا فضلا وكرما وحلما.
قال ابن كثير: وكثيرا ما يقرن الله تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين:
المغفرة والعذاب، كقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ [الرعد ١٣/ ٦] وقوله: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ [الحجر ١٥/ ٤٩- ٥٠] إلى غير ذلك من

صفحة رقم 131

الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة، والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كل بحسبه «١».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ثلاثة أحكام:
الأول- الناس خلفاء الأرض، يخلف بعضهم بعضا، فكل جيل يخلف من قبله من الأمم الماضية والقرون السالفة.
الثاني- الناس في الدنيا درجات في الخلق والرزق، والقوة، والضعف، والبسطة والفضل، والعلم، من أجل الابتلاء أي الاختبار، فيظهر من الناس ما يكون غايته الثواب والعقاب، ويختبر الموسر بالغنى ويطلب منه الشكر، ويختبر المعسر بالفقر ويطلب منه الصبر.
الثالث- الله تعالى سريع العقاب، شديد العذاب للكفار والعصاة، غفور رحيم بالطائعين التائبين. وهذا ترهيب وتحذير من ارتكاب الخطيئة، وترغيب في الطاعة والإنابة والتوبة.
روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون»
وعنه أيضا قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي».

(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٠٠

صفحة رقم 132

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الأعراف
مكية وهي مائتان وست آيات.
تسميتها:
سميت بسورة الأعراف لورود اسم الأعراف فيها، وهو سور بين الجنة والنار، قال ابن جرير الطبري: الأعراف جمع عرف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفا، وإنما قيل لعرف الديك عرفا لارتفاعه. روى ابن جرير الطبري عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف، فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم.
صفة نزولها:
هي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ إلى قوله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ.
موضوعها:
نزلت هذه السورة لتفصيل قصص الأنبياء وبيان أصول العقيدة، وهي كسورة الأنعام بل كالبيان لها، لإثبات توحيد الله عزّ وجلّ، وتقرير البعث والجزاء، وإثبات الوحي والرسالة، ولا سيما عموم بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم.

صفحة رقم 133

ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت سورة الأعراف التي هي من أطول السور المكية ما يلي من مبادئ العقيدة الإسلامية:
١- القرآن كلام الله: افتتحت السورة بالتنويه بالقرآن العظيم معجزة الرسول الخالدة، وأنه نعمة من الله، وأنه يجب اتباع تعاليمه.
٢- أبوّة آدم عليه السلام: الناس جميعا من أب واحد، أمر الله الملائكة بالسجود له سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة وتقديس، والشيطان عدو الإنسان.
وقد أعيد التذكير بقصة آدم مع إبليس، وخروجه من الجنة، وهبوطه إلى الأرض، بسبب وسوسة الشيطان رمز الشر والباطل وصراعه مع الإنسان الذي يدعو إلى عبادة الله وإلى الخير والحق، تأكيدا لما ذكر في سورة البقرة.
٣- إثبات التوحيد: وهو الإقرار بوحدانية الله، وعبادته وحده، وإخلاص الدين له، والاعتراف بحقه وحده في التشريع والتحليل والتحريم:
اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ.
٤- الوحي والرسالة: الوحي ثابت يتضمن هنا إنزال القرآن على قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وجوهره التكليف بالرسالة الإلهية، وبعثة الرسل إلى الناس:
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي.
٥- تقرير البعث والجزاء في عالم الآخرة: تضمنت السورة الكلام عن البعث والإعادة يوم القيامة: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ والجزاء والحساب وانقسام الناس بسببه إلى فرق ثلاث: فرقة المؤمنين الناجين أهل الجنة، وفرقة الكافرين الهالكين أهل النار، وأصحاب الأعراف وهو سور بين الجنة والنار.

صفحة رقم 134

٦- أدلة وجود الله: أقام الله تعالى الأدلة الكثيرة على وجوده مثل خلق السموات والأرض في ستة أيام، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والنجوم بأمر الله، وإخراج الثمرات من الأرض ٧- التهديد بالإهلاك: أهلك الله الأمم الظالمة عبرة لغيرها، وأنذر الناس بإنزال العذاب المماثل، ورغب بالإيمان والعمل الصالح لإفاضته الخيرات والبركات من السماء والأرض على الأمة: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف ٧/ ٩٦] وكذا لإرث الأرض والاستخلاف على الآخرين: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ، يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف ٧/ ١٢٨].
٨- قصص الأنبياء: أورد الله تعالى مجموعة من قصص الأنبياء: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، للتذكير بأحوال المكذبين أنبياءهم، وللعظة والعبرة، ومن أدلّها قصة موسى مع الطاغية فرعون، وعقاب بني إسرائيل بالمسخ قردة وخنازير لما خالفوا أمر الله. وتشبيه عالم السوء بالكلب: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف ٧/ ١٧٦].
٩- التنديد بعبادة الأصنام، والتهكم بمن عبد ما لا يضر ولا ينفع، ولا يبصر ولا يسمع، من أحجار وهياكل، وذلك كله لتقرير مبدأ التوحيد الذي ختمت به لسورة كما بدئت به.

صفحة رقم 135

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية