قلت : كما خلقناكم : بدل من فُرَادى ، أو حال ثانية، و لقد تقطع بينكم ؛ من قرأ بالرفع، فهو فاعل، أي : تقطع وصلُكم، ومن قرأ بالنصب، فظرف، على إضمار الفاعل، أي : تقطع الاتصال بينكم، أو على حذف الموصول ؛ لقد تقطع ما بينكم.
يقول الحق سبحانه لهم : ولقد جئتمونا للحساب والجزاء، فُرادى . متفرَّدين عن الأعوان والأوثان، أو عن الأموال والأولاد، وهذا أولى بقوله : كما خلقناكم أول مرة أي : على الهيئة التي وُلدتم عليها من الانفراد والتجريد حفُاة عُراة غُرلاً١ وتركتم ما خولناكم أي : تفضَّلنا به عليكم من الدنيا فشُغلتم به عن الآخرة، وراء ظهوركم ، فلم تقدموا منه شيئًا، ولم تحملوا معكم منه نقيرًا، وما نرى معكم شفعاءكم أي : أصنامكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء أي : أنهم شركاء مع الله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم، لقد تقطَّع بينكم أي : تفرَّق وصلُكم وتشتت شملكم، وضَلَّ أي : غاب عنكم ما كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم، أو لا بعث ولا حساب الظهور كذبكم.
وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي : ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي، شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [ الأعرَاف : ١٧٢ ] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ " ٢، يعني : على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت : وحاصل كلامه، أن مجيئهم فُرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني : مقدسة من شواهد الحس، مُطهرة من لُوثِ الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى : وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم أي : من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. هـ. وقوله تعالى : وما نرى معكم شفعاءكم إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم.
الإشارة : كل من ادعى حالاً أو مقامًا، يعلم من نفسه أنه لم يُدركه ولم يتحقق به، فالآية تَجُرُّ ذيلَها عليه. وفي قوله : ولقد جِئتُمُونَا فرادى... الخ، إشارة إلى أن الدخول على الله والوصول إلى حضرته، لا يكون إلا بعد قطع الطلاق والعوائق والشواغل كلها، وتحقيق التجريد ظاهرًا وباطنًا ؛ إذًا لا تتحقق الفردانية إلا بهذا.
وقال الورتجبي : ولي هنا لطيفةٌ أخرى، أي : ولقد جئتمونا موحدِّين بوحدانيتي، شاهدين بشهادتي، بوصف الكشف والخطاب، كما جئتمونا من العدَم في بدء الأمر، حين عَرَّفتُكم نفسي بقولي : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [ الأعرَاف : ١٧٢ ] بلا إشارة التشبيه وغلط التعطيل، كما وصفهم نبيه صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ مَولُد يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ " ٢، يعني : على فطرة الأزل بلزوم سمة العبودية بلا علة الاكتساب، عند سبق الإرادة. انتهى. قلت : وحاصل كلامه، أن مجيئهم فُرادى، كناية عن دخولهم الحضرة القدسية بعد تقديس الأرواح وتطهيرها، حتى رجعت لأهلها، كما خلقها أول مرة، أعني : مقدسة من شواهد الحس، مُطهرة من لُوثِ الأغيار، على فطرة الأزل، فشبه مجيئها الثاني بعد التطهير ببروزها الأول، حين كانت على أصل التطهير، كأنه قال : ولقد جئتمونا فرادى من الحس وشهود الغير كما خلقناكم كذلك في أول الأمر. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى : وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم أي : من العلوم الرسمية، والطاعات البدنية والكرامات الحسية، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي العارف : كنت أعرف أربعة عشر عِلمًا، فلما علمت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبق لي إلا التفسير والحديث والمنطق. هـ. وقوله تعالى : وما نرى معكم شفعاءكم إشارة إلى أنهم دخلوا من باب الكرم لا من باب العمل. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي