ويقول الحق بعد ذلك :
ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ( ٩٤ ) .
وقوله الحق : ولقد جئتمونا فرادى أي أن كلا منكم يأتي إلى الله فردا عما كان له في دنياه من مال أو ولد أو أتباع، جاء كل منهم لله وليس معه الأصنام التي أدعى أنها شركاء لله، واتخذهم شفعاء له. و( فرادى ) جمع ( فردان ) أو ( فريد ) مثل ( سكارى ) جمع ( سكران ) و( أساري ) جمع ( أسير )، إنهم يأتون إلى الله زمرا وجماعات، ولكن كل منهم جاء منفردا عما كان له في الدنيا من مال وأهل وولد وأتباع، بدليل أنه قال : وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم .
و ( خوله ) أي جعل له خدما من الأتباع ومن المريدين، ومن المقدر والمضيق عليهم في الرزق ومن العائشين في نعمته، جاء كل منهم منفردا عما له في الدنيا كما خلقكم الله أول مرة، أي كما دخلتم في الدنيا !
ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ( من الآية ٩٤ سورة الأنعام ).
وقوله الحق : جئتمونا أي كأن الإنسان الذي أذنب يكاد يقدم نفسه للعذاب معترفا أنه يستحق هذا العذاب إقرارا منه بالذنب، فكأن الإنسان يبلغ منه الحزن على ما فعله والتوبيخ لنفسه التي انصرفت عن الحق فيقول لنفسه : أنت تستحقين العذاب.
وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم ( من الآية ٩٤ سورة الأنعام ).
( البين ) هو ما يفصل أو ما يصل. فعندما نجد اثنين قاعدين وبينهما ( بين ) فهذا البين فاصل وواصل. فإن اعتبرته واصلا، أقول : تقطع هذا، أي وقع التقطع بينكما، وانفصمت الروابط بينكم وتشتت جمعكم، وإن كان البين فاصلا فقد وصلوا أنفسهم بالأصنام.
وماذا كانت صلة هؤلاء بالأصنام التي يشركونها في العبادة ؟ كانوا يقدمون لها القرابين، وغير ذلك. وهذه الأصنام وكل من جعلوه شريكا مع الله سيفر منهم يوم القيامة. وهكذا يتحقق قوله الحق : لقد تقطع بينكم .
ويواصل سبحانه : وضل عنكم ما كنتم تزعمون ، و( ضل ) أي تاه وغاب، ما كنتم عنهم فلا تجدونهم مصداقا لقوله الحق :
إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ( من الآية ١٦٦ سورة البقرة ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي