تفسير المفردات : فرادى : واحدهم فرد، وخولناكم : أعطيناكم، والترك وراء الظهر : يراد به عدم الانتفاع بالشيء، والبين الصلة، والمسافة الحسية أو المعنوية الممتدة بين شيئين أو أشياء، ويضاف إلى المثنى كقوله : فأصلحوا بين أخويكم [ الحجرات : ١٠ ] والجمع كقوله : أو إصلاح بين الناس [ النساء : ١١٤ ] ولا يضاف إلى المفرد إلا إذا كرر نحو : قال هذا فراق بيني وبينك [ الكهف : ٧٨ ] وضل عنكم : أي غاب عنكم.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه أن القرآن كتاب من عند الله، ورد على الذين أنكروا إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بشر، بأن مثله مثل التوراة التي يعترفون بإنزالها على موسى وهو بشر.
قفى على ذلك بوعيد من كذب على الله وادعى النبوة والرسالة، أو ادعى أنه قادر على الإتيان بمثل هذا القرآن، وهذا الوعيد يتضمن الشهادة بصدق النبي صلى الله عليه وسلم.
ذلك أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إذا لم يكن له بد من الإيمان بأن القرآن من عند الله، ومن الاهتداء به، فأكمل الناس إيمانا بالدار الآخرة وما فيه من الجزاء وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يعرّض نفسه لمنتهى الظلم الذي يستحق عليه أشد العذاب.
ثم ذكر سبحانه ما يقوله لهم يوم القيامة بعد ذكر ما تقول لهم الملائكة العذاب فقال : ولقد جئتمونا فردى كما خلقناكم أول مرة . الإيضاح : ولقد جئتمونا فردى كما خلقناكم أول مرة أي ولقد جئتمونا وحدانا منفردين عن الأنداد والأوثان والأهل والإخوان، مجردين من الخدم والأملاك والأموال، كما خلقناكم أول مرة من بطون أمهاتكم حفاة عراة غلفا، ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله : ولا يكلمهم الله يوم القيامة [ البقرة : ١٧٣ ] لأن المراد لا يكلمهم تكليم تكريم ورضا.
وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم أي إن ما كان شاغلا لكم من المال والولد والخدم والحشم والأثاث والرياش عن الإيمان بالرسل، الاهتداء بما جاء ولم ينفعكم كما كنتم تتوهمون، فهم لم يغن عنكم شيئا ولم يمكنكم الافتداء به أو ببعضه من عذاب الآخرة.
وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء أي وما نبصر معكم شفعاءكم من الملائكة والصالحين من البشر، ولا تماثيلهم وقبورهم، وقد زعمتم في الدنيا أنهم شركاء لله تدعونهم ليشفعوا لكم عنده ويقربوكم إليه زلفى بتأثيرهم في إرادته وحملهم إياه على ما تتعلق به إرادته في الأزل.
وفي هذه الجملة والتي قبلها هدم لقاعدتين من قواعد الوثنية وهما الفداء والشفاعة.
لقد تقطع بينكم أي لقد تقطع ما كان بينكم من صلات النسب والملك والولاء والصداقة.
وضل عنكم ما كنتم تزعمون أي وغابت عنكم شفاعة الشفعاء، وتقريب الأولياء وأوهام الفداء، وقد علمتم بطلان غروركم واعتمادكم على غيركم.
والخلاصة : إن آمالكم قد خابت في كل ما تزعمون وتتوهمون فلا فداء ولا شفاعة، ولا ما يغني عنكم من عذاب الله من شيء.
تفسير المراغي
المراغي