الصغير من الخشب، وغمرة الحرب: وسطها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ): قيل: عذاب الهون لا رأفة فيه ولا رحمة، أي: الشديد (بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ)، بأن معه شريكًا وآلهة، قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)، أنه لم ينزل شيئًا ولم يوح إليه شيء، وإنما يوحي إليَّ وغير ذلك من الافتراء الذي ذكروا، وباللَّه العصمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلََّ: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ... (٩٤)
يحتمل هذا - واللَّه أعلم - وجوهًا:
الأول: أي: أعدناكم وبعثناكم فرادى بلا معين ولا ناصر؛ كما خلقناكم أول مرة بلا معين ولا ناصر.
والثاني: أعيدكم وأبعثكم فرادى بلا أعوان لكم ولا شفعاء يشفعون لكم يعين بعضكم بعضا؛ كما خلقناكم في الابتداء فرادى، لم يكن لكم شفعاء ولا أعوان.
وقيل: يبعثكم وبعيدكم بلا مال ولا شيء من الدنياوية؛ كما خلقكم في الابتداء، ولم يكن لكم مال ولا شيء من الدنياوية.
وجائز أن يكون قوله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى) ليس معكم ما تفتخرون به من الخدم والأموال والقرابات التي افتخرتم بها في الدنيا؛ وليس معكم ما تفتخرون به، كما خلقناكم أول مرة.
وجائز أن يكون قوله: (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) منفصلا عن قوله: (وَلَقَدْ جِئْتمُونَا)، لكن جواب سؤال: أن كيف يبعثون؟ فقال: أي تبعثون كما خلقناكم أول مرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) يحتمل وجهين:
يحتمل تركتموه وراء ظهوركم لا تلتفتون إليه ولا تنظرون؛ كالمنبوذ وراء
ظهوركم، إنما نظرتم إلى أعمالكم التي قدمتموها.
والثاني: لم تقدموا ما خولناكم، ولم تنتفعوا منه، بل تركتموه وراء ظهوركم لا تنتفعون به، إنما منفعتكم ما قدمتموه وأنفقتم منه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَوَّلْنَاكُمْ).
قيل: أعطيناكم.
وقيل: رزقناكم.
وقيل: مكناكم؛ وهو واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ).
أنهم كانوا يجعلون لله شركاء في عبادته وألوهيته، ويقولون: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) و: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، يقول اللَّه: وما نرى معكم شفعاءكم، الذين زعمتم أنهم شركاء لله في عبادتكم، وزعمتم أنهم شفعاؤكم عند اللَّه بل شُغِلُوا هُم بأنفسهم؛ يخبر عن سفههم وقلة نظرهم فيهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ): قرئ بالرفع والنصب جميعًا.
فمن قرأ بالرفع يقول: لقد تقطع تواصلكم.
ومن قرأ بالنصب يقول: لقد تقطع ما كان بينكم من الوصل.
يخبر عَزَّ وَجَلَّ عن قطع ما كان بينهم من التواصل، وتعاون بعضهم بعضا في هذه الدنيا، أنهم كانوا يتعاونون ويتناصرون بعضهم بعضا - يخبر أن ذلك كله ينقطع في الآخرة، ويصير بعضهم أعداء بعض، ويتبرأ بعضهم من بعض؛ كقوله: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُو)؛ وكقوله: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)؛ وكقوله - تعالى -: (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً)؛ وكقوله: (سَيَكفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) الآية؛ يصير المعبودون أعداء للعابدين، والعابدون أعداء للمعبودين، وتصير الوصلة والمودة التي فيما بينهم في
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم