ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاؤا لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون [ الأنعام : آية ٩٤ ].
لما بين الله ( جل وعلا ) في هذه الآيات من سورة الأنعام أنه لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، ولا أحد أظلم ممن ادعى الوحي كذبا، ولا أحد أظلم ممن ادعى أنه قادر على إنزال مثل ما أنزل الله، وبين الله ( جل وعلا ) أن هؤلاء الظالمين الذين قالوا هذه المقالات أنهم إذا حضرتهم الوفاة بسطت الملائكة أيديهم إليهم بالعذاب والنكال، وقالوا لهم : أخرجوا أنفسكم [ الأنعام : آية ٩٣ ] بين حالتهم التي يبعثون عليها، وشدة ضعفهم وعدم قوتهم التي كانت هي سبب تمردهم في الدنيا.
وقوله في هذه الآيات : سأنزل مثل ما أنزل الله يدخل في معناه : من ادعى أنه ينظم للبشرية ما يغنيها عن نظام الله ( جل وعلا ) الذي وضعه، ومن اتبع هذا – والعياذ بالله – فقد اتبع أحدا لا أظلم في الدنيا منه – والعياذ بالله – فالذي ينزله الله لا يقدر أحد على أن ينزل مثله. ومن ادعى أنه ينزل مثله صرح الله في هذه الآيات الكريمة أنه لا أحد ألبتة أظلم منه.
وبهذا تعلمون أن الذين يتنطعون ويدعون أنهم ينظمون للبشرية نظاما أحسن مما أنزل الله، أنهم يدخلون في هذه الآية، وأن الملائكة ستضربهم عند الموت. ستضرب وجوههم وأدبارهم، وتقول لهم : أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون [ الأنعام : آية ٩٣ ] ومعلوم أنه لا تشريع إلا للسلطة العليا. فالسلطة العليا الحاكمة على كل شيء هي التي لها الأمر والنهي. فهؤلاء الذين يتمردون على نظام السماء، ويحاولون قلب الحكم السماوي لو جاء أحد يريد أن ينقلب الحكم عليهم ويحكم بغير ما شرعوا لقتلوه شر قتله، مع أنهم يتجاهرون بأن نظام خالق السماوات والأرض الحكيم الخبير، الذي نظم فيه علاقات الدنيا، وأوضح فيه طرق الخير في الدنيا والآخرة، وأتبع فيه متطلبات الروح بالتربية والتهذيب، ومتطلبات الجسم على الوجوه الشرعية، يقولون : إنه لا يصلح، ولا ينظم الحياة، ولا يساير التطور الحالي للحياة. الذين يقولون هذا والذين يتبعونهم، لا شك أنهم داخلون في هذا الوعيد في قوله : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله . لأن من أعظم ما أنزله الله : وضع النظام البشري الذي يمشي عليه البشر ليؤاخي بينهم، وينشر بينهم العدالة، والطمأنينة، والرخاء، والمساواة في الحقوق الشرعية.
قد قدمنا في هذه الدروس مرارا كثيرة : أن من ادعى أن هنالك تنظيما ينظم الحياة البشرية في الدنيا مثل تنظيم الله أو أحسن من تنظيم الله، أن هذه الدعوى كفر بواح، لا يشك فيه من له أدنى عقل، والآيات المصرحة بذلك بإيضاح كثيرة في القرآن العظيم، منها : أن الشيطان لما جاء تلاميذه من كفار قريش، وجاءهم بوحي الشياطين، وقال لهم : سلوا محمدا صلى الله عليه وسلم عن الشاة تصبح ميتة، من هو الذي قتلها ؟ فلما أجاب وقال : " الله قتلها ". أوحى إليهم الشيطان أن قالوا : ما ذبحتموه بأيديكم – يعنون المذكى – تقولون : حلال. وما ذبحه الله بيده الكريمة – يعنون الميتة – تقولون : هو حرام ؟ فأنتم إذا أحسن من الله ؛ حيث كانت ذبيحتكم أحل من ذبيحته ! ! فهذه قضية اختلف الحق والباطل فيها في مضغة لحم شاة ماتت ولم تذك، فجاء تشريع الشيطان بأنها : حلال ؛ لأن الله هو الذي ذبحها، وجاء نظام الإسلام، وتشريع السماء، على لسان سيد الخلق : أنها حرام ؛ لأنها لم تذك، ولم يذكر عليها اسم الله، فصرح الله ( جل وعلا ) بأن الذين يتبعون قانون إبليس، ونظام الشيطان، ويحللون لحم الميتة الذي حرمه نظام السماء، أنهم كفرة مشركون ؛ ولذا قال الله جل وعلا : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه يعني الميتة. ثم قال : وإنه لفسق ثم قال : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم يجادلوهم بوحي الشيطان : ما ذبحتموه حلال وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذا أحسن من الله. هذا معنى قوله : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم . ثم قال – وهو محل الشاهد : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [ الأنعام : آية ١٢١ ] وإن أطعتموهم في نظام إبليس في تحريم تلك اللحمة التي حللها إبليس على لسان أتباعه – بدعوى شبهة أنها ذبيحة الله، وحرمها الله في تشريعه السماوي على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم – صرح الله بأن من اتبع نظام إبليس وأحل تلك الميتة، وترك نظام الله الذي هو تحريمها : أنه مشرك بالله، كما قال : وإن أطعتموهم إنكم لمشركون لأن الرب هو الذي يحلل ويحرم، فمن اتبعت تحريمه وتحليله فقد جعلته ربك. وهذا الشرك : شرك طاعة، ونظام، وقانون في التحريم والتحليل، وسيوبخ الله مرتكبيه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ويبين مصيرهم الفظيع الشنيع من النار ؛ وذلك أن الله يقول لمن كانوا يتبعون نظم الشيطان وقوانينه التي شرعها على ألسنة أوليائه، تاركين نظام السماء الذي أنزله خالق الخلق على لسان نبيه، يقول الله لهم : ألم أعهد إليكم يا بني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان [ يس : الآية ٦٠ ] يعني : باتباع نظامه وتشريعه وقانونه إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا والجبل الكثير الذي أضله : هم الذين يتبعون تزيينه في المعاصي، وتشريعه، ونظامه المخالف لتشريع السماء، ونظام خالق الكون أفلم تكونوا تعقلون لا عقول لكم حيث تتبعون نظام إبليس، وتتركون نظام خالقكم جل وعلا ، ثم قال : هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [ يس : الآيات ٦٠ ٦٥ ] وقال الله ( جل وعلا ) عن نبيه إبراهيم أنه يقول لأبيه : يا أبت لا تعبد الشيطان يعني بقوله : لا تعبد الشيطان لا تتبع نظامه وتشريعه بالكفر والمعاصي، إن الشيطان كان للرحمان عصيا [ مريم : آية ٤٤ ].
وقد سمى الله ( جل وعلا ) الذين يطاعون في معصية الله، سماهم ( شركاء ) في هذه السورة الكريمة، سورة الأنعام، في قوله جل وعلا : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم [ الأنعام : آية ١٣٧ ] فسماهم ( شركاء ) لما أطاعوهم في التحليل من قتل الأولاد، وقال جل وعلا : إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا [ النساء : آية ١١٧ ] يعني : ما يعبدون إلا شيطانا مريدا. وعبادتهم له هي : اتباع تشريعه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا البيان لما سأله عدي بن حاتم ( رضي الله عنه ) عن قوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا [ التوبة : آية ٣١ ] قال عدي للنبي : كيف اتخذوهم أرباب ؟. قال : " ألم يحلوا لهم ما حرم الله، ويحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم ؟ " قال : بلى، قال : " بذلك اتخذوهم أربابا ".
وقد صرح الله ( جل وعلا ) في سورة النساء أن من يدعي الإسلام ويزعم أنه مؤمن، ثم يريد التحاكم إلى الطاغوت من تشاريع الشيطان، أن دعواه للإيمان مع ذلك بالغة من الكذب والبطلان ما يستوجب التعجب منها، وذلك في قوله : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا [ النساء : آية ٦٠ ].
والآيات بمثل هذا كثيرة، وعلى كل حال فعلينا جميعا نحن المسلمين أن نعرف ونعتقد أنه لا تشريع إلا لخالق السماء والأرض، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله، والأمر أمر الله، والنهي نهي الله، والحسن ما حسنه الله، والقبيح ما قبحه الله، وكل نظام وتشريع غير تشريع السماء وبال وويل على صاحبه – والعياذ بالله جل وعلا – ولذا أولئك يدخلون في قوله هنا : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله [ الأنعام : آية ٩٣ ].
وقد بين ( جل وعلا ) في هذه الآية الكريمة، أن أولئك المستكبرين في دار الدنيا، الذين يستكبرون عن آياته، الذين كان لهم في الدنيا خدم، وحشم، وأتباع، وأبهة، أنهم يوم القيامة يبعثون ويعرضون إلى ربهم لا أتباع لهم، ولا حشم، ولا خدم، حتى ولا نعال، ولا ثياب، كل واحد بمفرده يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها [ النحل : آية ١١١ ] كما خلقناكم أول مرة [ الأنعام : آية ٩٤ ] لأن الإنسان يخرج من بطن أمه وحيدا فريدا، لا مال له، حافيا، عاريا، لا نعال له، ولا لباس، غير مختون، لا خدم له، ولا حشم، كذلك يخرج من قبره وحيدا فريدا متجردا من الأبهة التي كان فيها، ليس معه خادم، ولا وزير، ولا مال، ولا نعل، ولا لباس، يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا. أي : غير مختونين ؛ ولذا يقول الله للذين يستكبرون ويكفرون – كانوا يجمعون في دار الدنيا بين أمرين : التكبر، والتعاظم، وعدم الإذعان لآيات الله والإيمان به، ويزعمون أن الأصنام التي يعبدونها من دون الله أنها تشفع لهم يوم القيامة، وتنجيهم من كربات يوم القيامة، فوبخهم الله هذا التوبيخ العظيم – قال : ولقد جئتمونا هو مجيئهم يوم القيامة محشورين معروضين على خالقهم ( جل وعلا ) فرادى الفرادى : جمع فرد أو فرد. خلافا لمن قال : إن واحده ( الفردان ) كالسكران والسكارى. وواحده في الحقيقة : الفرد والفرد، وتقول : هو فرد وفرد، إذا كان واحدا. وربما قيل فيه : فرد، ويروى بهما معا قول نابغة ذبيان :
كأن رحلي وقد زال النهار بنا*** بذي الجليل على مستأنس وحد
| من وحش وجرة موشي أكارعه | طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد |
وفي إعراب ( الكاف ) من ( كما خلقنا ) وجهان من الإعراب.
أحدهما : أنه في محل نصب نعتا لمصدر. والمعنى : جئتمونا مجيئا مشابها لخلقنا لكم أولا في التجرد عن المال، والأعوان، والحشم، والخدم.
الثاني : أنه في محل الحال. أي : جئتمونا فرادى في حال كونكم مشابهين حالتكم الأولى التي ولدتم عليها، لأن الواحد منكم يخرج من بطن أمه فردا لا مال له، ولا ولد، ولا حشم، ولا خدم. وهذا معنى كما خلقناكم أول مرة .
وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم العرب تقول : " خوله " إذا أعطاه وأنعم عليه، ما خولناكم : أي : ما أعطيناكم، وأنعمنا عليكم به من المال والخول، والخدم، تركتموه وراءكم، أي : خلقكم، حيث متم عنه ولم يأت معكم.
ثم قال : وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم الشفعاء الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء لنا فيكم، وأن نصيبا لهم من حقوقنا، وتعبدونهم معنا، وتزعمون أنهم يشفعون لكم، ما نراهم معكم. وهذا توبيخ لهم – والعياذ بالله – كما قال تعالى : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون [ يونس : آية ١٨ ].
وقوله : لقد تقطع بينكم فيه قراءتان : لقد تقطع بينَكم ، لقد تقطع بينُكم فعلى قراءة : لقد تقطع بينُكم ف( البين ) من الأضداد، يطلق على البعد، وعلى الوصل. وا
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير