٩٤ - قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى الآية. قال أهل المعاني: (هذا يكون على وجهين أحدهما: أنه على الحكاية أن يقال لهم في الآخرة هذا كما دلت الآية الأولى على الحكاية، والثاني: أن المعنى على الاستقبال كأنه: تجيئوننا فرادى إلا أنه جاء على لفظ الماضي؛ لأنه بمنزلة ما قد كان لتحقيق الخبر به) (١).
وأما فُرَادَى (٢) فقال الفراء: (فُرَادَى جمع، قال: والعرب تقول: قوم فرادى، وفراديا هذا، فلا يجرونها (٣) شبهت بثُلاث ورباع قال: وفرادى: واحدها فَرْد وفريد وفرد وفردان) (٤).
انظر: "مسند أحمد" ٥/ ١٤٧، ١٤٨، ٢٧٦، ٢٨٠، ٢٨٣، والدارمى (١٥٠٢) كتاب الصلاة، باب: فضل من سجد لله سجدة، وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في كثرة السجود (١٤٢٢ - ١٤٢٤).
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ٢٧٧، والماوردي ٢/ ١٤٥، وابن عطية ٥/ ٢٩٠، وابن الجوزي ٣/ ٨٨، والرازي ١٣/ ٨٦، وابن كثير ٢/ ١٨٦.
(٢) انظر: "العين" ٨/ ٢٤، و"الجمهرة" ٢/ ٦٣٤ - ٦٣٥، و"الصحاح" ٢/ ٥١٨، و"مقاييس اللغة" ٤/ ٥٠٠، و"المجمل" ٣/ ٧٢٠ (فرد).
(٣) قوله: فلا يجرونها، أي: يصرفونها.
(٤) "معاني الفراء" ١/ ٣٤٥، وفيه: (وفرادى واحدها فَرْد وفِرد وفريد، وفراد للجمع، ولا يجوز فرد في هذا المعنى) اهـ، وأشار المحقق في الهامش إلى ورود لفظ فردان في بعض النسخ، كذلك جاء في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٦١، و"اللسان" ٦/ ٣٣٧٣ (فرد)، عن الفراء لفظ (فردان).
وقال الليث: (الفَرْد: ما كان وحده، يقال: فَرَد يَفْرد، وأفردته: جعلته واحداً، ويقال: جاء القوم فُرادى (١)، [وعددت] (٢) الجوز [والدراهم] (٣) أفرادًا، أي: واحدًا واحدًا).
وقال ابن قتيبة: (فرادى جمع فردان مثل: سكران وسكارى وكسلان وكسالى) (٤)، وقال غيره: (فرادى جمع فريد مثل رديفٍ ورُدافَى) (٥)، وذكرنا عن الفراء هذين القولين وزيادة.
وأما التفسير فقال ابن عباس: (يريد: بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا شيء قدمتموه) (٦)، وقال الحسن: (فرادى كل واحدٍ على حدة) (٧)، وقال ابن كيسان (٨): (ولقد جئتمونا مفردين مما كنتم تعبدون ومن المظاهرين
وجاء في "اللسان" ٦/ ٣٣٧٤، عن الليث أنه قال: (ويقال: جاء القوم فرادًا وفرادى، منونًا وغير منون، أي: واحداً واحداً) اهـ.
(٢) في (ش): (وغدت).
(٣) في (أ): (الدرهم).
(٤) "تفسير غريب القرآن" ص ١٦٨، وفيه: (فرادى فَرْد، وكأنه جمع فردان، كما قيل...) اهـ.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ٧/ ٢٧٧ - ٢٧٨، و"المفردات" ص ٦٢٩، و"الدر المصون" ٥/ ٤٤.
(٦) "تنوير المقباس" ٢/ ٤٤، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٨٤، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٨٨، وأبو حيان في "البحر" ٤/ ١٨٢.
(٧) ذكره الثعلبي في "الكشف" ص ١٨١ أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٨٨، وأبو حيان في "البحر" ٤/ ١٨٢.
(٨) ابن كيسان محمد بن أحمد بن كيسان، تقدمت ترجمته.
لكم) (١)، ونحو ذلك قال أبو إسحاق قال: (كل واحد منفرد عن شريكه في الغي وشقيقه) (٢).
وقوله تعالى: كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ قال ابن عباس: (يريد: حفاة عُرَاة كما خرجتم من بطون أمهاتكم) (٣)، وذكر الزجاج وجهًا آخر تحتمله اللغة: (كما بدأناكم أول مرة أي: كان بعثكم كخلقكم) (٤).
وقوله تعالى: وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ أي: ملكناكم، يقال: خوّله الشيء، أي: مَلَّكه إياه، والخَوَل (٥) ما أعطى الله الإنسان من العبيد والنعم، قال أبو النجم (٦):
كُومَ الذُّرَى مِنْ خَوَلِ المُخَوَّلِ (٧)
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧٣، وقوله: (وشقيقه) غير واضحة في الأصل وكأنها: وشفيعه.
(٣) لم أقف عليه، وأخرجه البخاري (٦٥٢٤) كتاب الرقاق، باب: كيف الحشر، ومسلم (٢٨٦٠)، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: "إنكم ملاقو الله مشاة حُفاة عراة غُرْلًا"، والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة، وهي القلفة التي تقطع عند الختان تكون معهم. وانظر: "شرح مسلم" للنووي ١٧/ ٢٨٠ - ٢٨٣، و"فتح الباري" ١١/ ٣٧٧ - ٣٨٨.
(٤) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٧٣، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٥٦٦.
(٥) الخول: بفتح الخاء والواو. انظر: "الجمهرة" ١/ ٦٢١، و"الصحاح" ٤/ ١٦٩٠، و"المجمل" ٢/ ٣٠٧، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٢٣٠، و"المفردات" ص ٣٠٤.
(٦) أبو النَّجم: الفضْل بن قدامة بن عبيد العِجْلي الكوفي، تقدم.
(٧) "ديوانه" ص ١٧٥، وهو من لاميته المشهورة في هشام بن عبد الملك، ومطلعها:
| الحمدُ للهِ الوْهُوبِ المْجْزِل | أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَم يُبَخَّل |
| كُومَ الذُّرى منْ خَولِ المخول | تبَقَّلَتْ مِنْ أَوّلِ التَّبْقُّلِ |
| كَأَنَّ رِمَاحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ | بِعيدٍ بَيْنُ جَالَيْهَا جَرُورِ (٤) |
(٢) هذا الشاهد لا يوجد في "الحجة" لأبي علي.
(٣) مُهَلْهِل بن ربيعة التغلبي: أبو ليلى، من نجد شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته.
(٤) ليس في "ديوانه"، وهو في: "مجاز القرآن" ١/ ٢٠١، و"الكامل" للمبرد ١/ ٣٧٦، والطبري ٧/ ٢٨٠، و"الدر المصون" ٥/ ٥٣، وبلا نسبة في "مجالس الزجاجي" ص ١١٠، و"أمالي القالي" ٢/ ١٣٢، و"إعراب القراءات" ١/ ١٦٥، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٤٥، و"المحتسب" ٢/ ١٩٠، و"اللسان" ١/ ٤٠٣ (بين)، والأشطان جمع شطن بالتحريك: الحبال الطويلة الشديدة الفتل، والجال: الجانب، والناحية، والجرور: بعيدة القعر.
والشاهد: بين ظرف في الأصل، فصيره اسمًا ورفعه.
(٥) لفظ: (المراد) ساقط من (أ).
بمعنى الوصل، وأصله: الافتراق (١) والتباين، قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو: بيني وبينه شركة، وبيني وبينه رحم وصداقة صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمنزلة الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، لهذا جاء لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ بمعنى: لقد تقطع وصلكم، وحكى سيبويه: (هو أحمر بين العينين) (٢)، وهذا يدل على جواز استعماله اسمًا.
فأما من قرأ: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ بالنصب ففيه مذهبان أحدهما: أنه أضمر الفاعل في الفعل، ودل عليه ما تقدم من قوله: وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ، ألا ترى أن هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر، فكأنه قيل: لقد تقطع وصلكم بينكم.
وقد حكى سيبويه أنهم قالوا: (إذا كان غدًا فأتني) (٣)، [فأضمر ما كانوا فيه من رخاء أو بلاء على معنى: إذا كان الرخاء أو البلاء غدًا فأتني (٤)]، فأضمر لدلالة الحال عليه، وصار دلالة الحال بمنزلة جَرْي الذكر وتقدمه، والمذهب الآخر من انتصاب البين: شيء يراه أبو الحسن (٥)، وهو أنه يذهب إلى: (أنه وإن نُصب يكون معناه معنى المرفوع لمّا جرى في كلامهم منصوبًا ظرفًا تركوه على ما يكون عليه في أكثر
(٢) "الكتاب" ١/ ١٩٥.
(٣) "الكتاب" ١/ ٢٢٤.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٥) أبو الحسن هو سعيد بن مسعدة المجاشعي البصري الأخفش الأوسط، تقدمت ترجمته.
الكلام، وكذلك يقول في قوله تعالى (١): يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ٣] أنه على معنى الرفع، وكذلك يقول في قوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ [الجن: ١١] فدون: في موضع رفع عنده) (٢)، وإن كان منصوب اللفظ، ألا ترى أنك تقول: منا الصالحون (٣)، ومنا الطالحون؛ فترفع) (٤)، وذكر ابن الأنباري هذين الوجهين في علة النصب فقال: (التقدير: لقد تقطع ما بينكم، فحذفت ما لوضوح معناها، ونصبت بين على طريق المحل والصفة، ومثله قول الشاعر:
| ما بين عَوْفٍ وإبراهيمَ من نَسَبٍ | إلا قرابةُ بين الزنج والرومِ (٥) |
| يُدِيرُونَنِي عَنْ سَالِمٍ وأُدِيرُهُمْ | وَجِلْدَةُ بَيْن العَيْنِ وَالأنْفِ سالِمُ (٦) |
(٢) انظر: "معاني الأخفش" ١/ ٢٣٧، و"الحجة" لأبي علي ١/ ٢٥٠ - ٢٥١، ٣/ ٢٦٢، ٥/ ٤٢٩، ٦/ ٢٨٥، و"كتاب الشعر" ١/ ٣٠٦، و"المحتسب" ٢/ ١٩٠، وفيها كلام الأخفش وشرحه.
(٣) في (أ): (منا الطالحون ومنا الطالحون)، وهو تحريف.
(٤) "الحجة" لأبي علي ٣/ ٣٥٧ - ٣٦١ بتصرف واختصار، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٣٧١، و"إعراب القراءات" ١/ ١٦٤، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٤٥، ولابن زنجلة ص ٢٦١، و"الكشف" ١/ ٤٤٠.
(٥) لم أقف على قائله، وهو في "الدر المصون" ٥/ ٥١.
(٦) البيت لأبي الأسود الدؤلي في "ديوانه" ص ٢٥٠، و"الدر المصون" ٥/ ٥١، ولزهير في "ديوانه" ص ١٢١، و"شرحه لثعلب" ص ٢٥٠، وبلا نسبة في "أمالي القالي" ١/ ٥١، ونسب في "العقد الفريد" ٢/ ٢٧٣، ٦/ ١٣٧ إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما؛ وقال البغدادي في "الخزانة" ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣: (هذا خطأ، والصواب أنَّه تمثَّل به لا أنه قاله، والبيت لزهير، وهو ثابت في ديوانه) اهـ.
أراد: وجلدة ما بين العين، قال: وفيه وجه آخر؛ وهو: أن يكون [بين] (١) في موضع رفع وإن نصبت في اللفظ؛ لأن أصلها المحل، فنابت عن الفاعل المرفوع، وأُقرت على أصلها من النصب، كما قالت العرب: قد افترق بين عبد الله وزيد، فجعلوا بين نائبه عن الفاعل ومقرةً على أصلها من النصب، وقالوا أيضًا: هذا ثوب بينَ الثوبين، [وبينُ الثوبين] (٢)، فنصب بعضهم تغليبًا للأصل وهو يحكم عليها بالرفع، وأعطاها آخرون في اللفظ ما تستحقه من جهة المعنى) (٣).
وأجاز الفراء هذا الوجه أيضًا فقال: (إذا جعل الفعل لبين ترك نصبًا كما قالوا: أتاني دونك من الرجال فترك نصبًا وهو في موضع رفع) (٤).
وأما التفسير فقال ابن عباس: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (يريد: وصلكم ومودتكم) (٥)، وقال مقاتل: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (يعني: ما تواصلتم بينكم) (٦)، وقال الحسن: (لقد تقطع الأمر بينكم) (٧)، وقال قتادة:
(٢) لفظ: (وبين الثوبين) الثانية ساقط من (ش).
(٣) ذكره الواحدي ١/ ٨٥، وابن الجوزي ٣/ ٨٩، والرازي ١٣/ ٨٧ - ٨٨ مختصرًا.
(٤) "معاني الفراء" ١/ ٣٤٥، قال: (هو في موضع رفع لأنه صفة...)، وانظر: "إعراب النحاس" ١/ ٥٦٦، و"المشكل" ١/ ٢٦٢، و"البيان" ١/ ٣٣٢.
(٥) "تنوير المقباس" ٢/ ٤٤، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ٨٥، وأخرج الطبري في "تفسيره" ٧/ ٢٧٩، وابن أبي حاتم ٤/ ١٣٥٠ بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (يعني: الأرحام والمنازل) ا. هـ، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٦٠.
(٦) "تفسير مقاتل" ١/ ٥٧٩، وفيه قال: (لقط تقطع بينكم وبين شركائكم، يعني: من الملائكة من المودة والتواصل) ا. هـ.
(٧) ذكره هود الهواري في "تفسيره" ١/ ٥٤٦، والواحدي في "الوسيط" ١/ ٨٥، والسيوطي في "الدر" ٣/ ٦٠.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي