(قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)
كان بنو إسرائيل متمليلين من عذاب فرعون من قبل موسى - عليه السلام - ورجوا من مجيئه أن يرحمهم الله تعالى من عذابه على يد موسى - عليه السلام - وقد غلبه بالحجة الباهرة، وكان هو وقومه صاغرين أمام حجة الحق وقوته.
ومن يكون من عذاب يتلهف على الرحمة، ويطلبها سريعا، ولكن فرعون قرر استمرار عذابهم فقالوا متململين: قد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض.
طمأنهم موسى بأن الله لَا يخلف وعده، وأنه وعده بهلاك الطاغية العاتي؛ ولذا قال: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَذوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) يتضمن كلام موسى الكليم - عليه السلام - أمورا ثلاثة:
أولها - رجاء هلاك فرعون؛ لأن الله أعلمه بذلك، وأن لذلك وقتا معلوما، لم يحن حينه، ثانيها - أنهم يرثون الأرض من بعده، وأنهم سيكونون مستقلين أحرارا ليس لأحد عليهم سلطان إلا الله، ثالثها - أنه قد تكون مخالفات، ومناقضات، ولذا قال: (فَيَنظُرَ كيْفَ تَعْمَلُونَ)، أي فيرى منكم عملكم أو يقدر لكم من الجزاء بمقدار عملكم، والله بكل شيء عليم.
وإن سياق القصص القرآني قد يشير إلى أن فرعون عندما كان يقتل الأبناء، ويستحيي النساء - ما كان يستأصل، بل فرض فيهم هذه العقوبة يستعملها ما يشاء.
هذا، وإننا نرى آل فرعون وسكان مصر، لم يدفعوا طغيانه، وإن الله تعالى لا يأخذ العامة بظلم الخاصة إلا إذا رأوا الظلم ولم ينكروه، والمصريون لم ينكروا فعل فرعون؛ ولذا عاقبهم الله تعالى بعقوبات دنيوية مختلفة، فقال الله تعالى في ذلك:
* * *
(وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)
* * *
إن المصريين شاركوا فرعون فيما أوقع من مظالم ومآثم ببني إسرائيل؛ لأنهم رأوا الظلم ولم ينكروه، فكانوا مسئولين، وما استمكن فرعون منهم ومن بني إسرائيل إلا بهم، لأنهم لم يقولوا: ظلمت.
ولذا قال الله تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة