أو أن يقول لهم: استعينوا باللَّه بالنصر لكم والظفر، واصبروا على أذاهم والبلاء.
(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
يحتمل هذا وجهين:
يحتمل أن يخرج ذلك من موسى مخرج الوعد لهم بالنصر والظفر على الأعداء، وجعل الأرض لهم من بعد إهلاك العدو، وهو كما ذكر في موضع آخر: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).
ويحتمل أن يخرج ذلك منه مخرج التصبر على الرضا بقضاء اللَّه - تعالى - أن الأرض له يصيرها لمن يشاء، فاصبروا أنتم على البلاء، وارضوا بقضائه.
(وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
قال الحسن: (وَالْعَاقِبَةُ)، أي: الآخرة للمتقين خاصة، وأمّا الدُّنيَا فإنها بالشركة بين أهل الكفر وأهل الإسلام، يكون لهَؤُلَاءِ ما لأُولَئِكَ، وأمَّا الآخرة فليست للكفار إنما هي للمؤمنين خاصة، وهو ما ذكر في آية أخرى: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ...) الآية، فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
وقال غيره: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي عاقبة الأمر بالنصر، والظفر للمتقين على أعدائهم، وإن كان في الدفعة الأولى عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا... (١٢٩) يخرج هذا على وجهين:
أحدهما: أن يخرج مخرج استبطاء النصر والظفر لهم، كأنهم استبطئوا النصر
وإهلاك العدو والظفر عليهم، فقال لهم موسى عند ذلك: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ).
والثاني: أن يخرج ذلك منهم مخرج الاعتذار لموسى لما خطر ببال موسى أنهم يقولون: إن ما أصابهم من البلايا والشدائد إنما كان لسببه ولمكانه، فقالوا ذلك له اعتذارًا منهم له أن قد أصابنا ذلك نحن من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا؛ لئلا يوهم أنهم يقولون ذلك أو يخطر بباله ذلك، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكونوا قالوا ذلك على التعيير له والتوبيخ، يقولون: لم يزل يصيبنا من الأذى لسببك ولأجلك من قبل أن تأتينا من الاستخدام، ومن بعد ما جئتنا من أنواع الضرر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) والعسى من اللَّه واجب، فوعدهم إهلاك العدو واستخلافهم في الأرض.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: (أُوذِينَا): في سببك (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا) بالرسالة، يعنون بالأذى: قتل الأبناء واستخدام النساء، (وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) بالرسالة: من الشدائد التي أصابتهم من بعد، لكن الأول أقرب وأشبه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).
يحتمل هذا -أيضًا- وجهين:
أحدهما: أن يجعل لكم الأرض، ويوسع عليكم الرزق يمتحنكم في ذلك ويبتليكم، لا أنه يجعل لكم ذلك على غير امتحان تعملون ما شئتم في ذلك.
والثاني: يمتحنكم بالشدائد والبلايا؛ لينظر كيف تصبرون على ذلك.
ويحتمل وجهًا آخر وهو: أن يقول لهم: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تشكرون ربكم فيما أنعم عليكم.
وقوله: (فَيَنظُرَ) كيف الواقع لكم من الجزاء والثواب.
وقوله: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا): أمرهم - واللَّه أعلم - بطلب المعونة من اللَّه تعالى على قضاء جميع حوائجهم دينًا ودنيا، ويحتمل أن يكون على طلب التوفيق لما أمر به، والعصمة عما حذَّرَ عنه، وكذلك الأمر البين في الخلق من طلب التوفيق والمعونة من اللَّه، والعصمة عن المنهي عنه جرت به سنة الأخيار، وبالله المعونة.
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم